مقالات مختارة

أبو مهدي المهندس: رفيق قاسم سليماني في القمع والموت

عصام الزيات

يحمل تسعة عشر اسمًا حركيًّا، لكن الذي لازمه طويلًا هو لقب المُهندس. اسمه الحقيقي جمال جعفر، عراقي المولد، حصل على الجنسية الإيرانية، يُعرف حركيًّا بـ «أبو المهدي المُهندس». أبو المهدي كنايةً عن ولائه الفريد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والمُهندس لأنه كان مهندس كل عمليات ميليشيا الحشد الشعبي.  ويُعرف الرجل في الإعلام الإيراني باسم جمال الإبراهيمي.

لم يتشارك المُهندس مع الجنرال قاسم سُليماني لحظة الموت فحسب، بل شاركه كذلك في بروز اسمه وقوة تأثيره. سُليماني قائد فيلق القدس الإيراني لكنَّ تأثيره يمكن القول إنَّه فاق تأثير رئيس الجمهورية الإيرانية، كذلك فإن المهندس كان نائب رئيس ميليشيا الحشد الشعبي وثاني رجالها لكنَّ قوة نفوذه تجعله الأول. كما يتميز الاثنان بلحية بيضاء خفيفة وشعر أبيض ونظارة طبيَّة.

بعد أن شارك في الحرب العراقيَّة الإيران في الأعوام بين عامي 1980 و1988 أسس عددًا من الميليشيات العراقية. على رأسهم فريق التوَّابين، وهم مجموعة من الجنود العراقيين أسرتهم القوات الإيرانية. السنوات الواقعة بين عامي 1980 و1988 لم تكن فارغةً من الحركة بالنسبة للمُهندس. فالرجل متورط في تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981، كما أنَّه مُهندس الهجوم على السفارة الأمريكية في بيروت أيضًا عام 1983، وفي نفس العام خطط لتفجير القاعدة العسكرية الأمريكية الموجودة في الكويت.

وفي عام 1985 برز اسمه كأحد أبرز المتهمين في محاولة اغتيال أمير الكويت. واتهمته المخابرات الأمريكية بمحاولة اختطاف طائرة ركاب مدنيَّة كويتيَّة عام 1984. مبررات المُهندس كانت محاولة ضرب الدعم الكويتي للعراق في حرب الثماني سنوات مع إيران.  كذلك اتُّهم في استهداف طارق عزيز وزير الخارجية العراقي في عهد الرئيس العراقي الأسبق صدَّام حُسين. بسبب سجله الحافل هذا أدرجته الولايات المتحدة على لائحة العقوبات عام 2009.

القصف الصاروخي فجر الثالث من يناير/ كانون الثاني عام 2020 أنهى حياة المهندس المليئة بالتنقل في العراق حيث وُلد عام 1954. درس الهندسة المدنية في الجامعة التكنولوجية في بدايات عام 1973، ثم تخرَّج حاملًا شهادة البكالريوس عام 1977. بعد الهندسة المدنية درس العلوم السياسية وحصل على شهادة فيها أيضًا، ثم حصل على درجة الدكتوراة فيها.

بالتوازي مع مسيرته العلمية كان المهندس عضوًا في حزب الدعوة الإسلامية أثناء دراسته في المرحلة الثانوية. وفي الجامعة درس مُقدمات الحوزة العلمية لمُحسن الحكيم في البصرة، لكن اضطرته الظروف السياسية للخروج من العراق عام 1980، تلك الظروف كانت مجزرة الرفاق التي قام بها الرئيس العراقي صدام حسين في 22 يوليو/ تموز عام 1979. كانت مجزرة الرفاق عبارة عن عملية تطهير لأعضاءٍ من حزب البعث زعم صدام أنه اكتشف خيانتهم له وتآمرهم مع أعضاء من حزب البعث السوري لاغتيال صدام.

كان المُهندس ضمن العديد من الطلبة المطلوبين لمحكمة الثورة، وحين استقرت الأمور لصالح صدام وقُتل المرجع محمد باقر الصدر لم يجد المُهندس بدًّا من الفرار. أقام فترةً في الكويت لكنه فر منها لصدور حكم بالإعدام ضده  لضلوعه في هجمات استهدفت السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت.

عاد  المُهندس، الذي أصبح متزوجًا من إيرانية، عام 1985 ليصبح سياسيًّا في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي. في نفس الفترة مارس عملًا عسكريًّا في فيلق بدر، ثم ترقى فأصبح قائدًا للفيلق حتى أواخر التسعينيات. إلى أن تكونت قوات الحشد الشعبي فاختير المهندس نائبًا لها، واشتُهر منذ أيامه الأولى بالمشاركة الميدانية مع جنوده في معاركهم.

قبل أن يُوضع اسمه على لائحة العقوبات الأمريكية في 2009، كان قد أسس كتائب لحزب الله في العراق، لكن العقوبات لم تمنع وجوده ومشاركته في تأسيس وتدريب العديد من الميليشيا الإيرانية. كذلك فإن العقوبات لم تمنع وجوده شخصيًّا مع قواته أثناء مهاجمة السفارة الأمريكية في العراق في أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2019. كما أنه معروف بضلوعه في إصدار أوامر مباشرة لكتائب حزب الله التي أسسها لقمع المتظاهرين العراقيين في التظاهرات الأخيرة التي اجتاحت العراق عام 2019.

 لنشاطه وحركته المستمرة استحق أن يصبح صديقًا مُقربًا ومستشارًا موثقًا لقاسم سليماني واستمرت الشراكة حتى الموت. ليُوثق بذلك شهادة فيليب سميث، باحث مختص في الجماعات الشيعية المسلحة، إذ قال إن المُهندس هو الدليل على كيفية قيام إيران ببناء شبكتها من الوكلاء في العراق. أضاف سميث أن الرجل مرتبط بكل الشبكات الرئيسية لإيران في العراق، ثم استطرد مضيفًا أن المُهندس شخص لا نظير له في الوضع الراهن، إذ يُعتبر تجسيدًا مثاليًّا للنفوذ الإيراني في العراق.

يُذكر أن المُهندس نجح في دخول البرلمان العراقي عام 2005 بعد الغزو الأمريكي للعراق. مايكل نايتس، الخبير في معهد واشنطن للأبحاث، وصف المُهندس بالعدو اللدود للولايات المتحدة، وأنه كفرد أشد خطرًا على الولايات المتحدة من كل الفصائل الموالية لإيران في العراق. تتسق تلك التصريحات مع معرفتنا أن فالح الفياض، مستشار الأمن الوطني العراقي، كان هو القائد الرسمي لقوات الحشد الشعبي، لكنَّ القوات التي شُكلت بفتوى مباشرة من المرجع الأعلى في العراق علي السيستاني لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، كانت ترى المُهندس قائدها الحقيقي.

استطاع المهندس أن يجعل قوات الحشد الشعبي كيانًا مستقلًّا لا يخضع لقيادةٍ كاملة من رئيس الوزراء العراقي ولا قوات الأمن الرسمية، حتى حين دُمجت قوات الحشد مع القوات الأمنية الرسمية ظلت بعض فصائل الحشد مثل كتائب حزب الله خارج سيطرة أي قائد سوى المُهندس. غير الولاء المُعتاد من الجندي لقائده، كان جنود المُهندس يدينون له بالولاء والحُب والاحترام. لذا وصف نايتس المُهندس وجنوده في العراق بأنهم الجهاز العصبي المركزي لقوات فيلق القدس الإيراني.

خسارة لن تعوضها إيران

المُهندس كان من نوع العسكريين المُفضلين لإيران، النوع الغامض الصامت، المُبتعد عن السياسة وشديد القرب من الميدان، لذا نادرًا ما ظهر المُهندس في الإعلام أو تدخل في السياسة. من المرات القليلة التي خرج فيها عن صمته كانت عام 2019، إذ اتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف سلسلةٍ من التفجيرات استهدفت قواعد للحشد الشعبي.

المرة السابقة التي تخلى فيها عن صومه الإعلامي كان في يوليو/ تموز 2017 حين ظهر في وسائل إعلام إيرانية متحدثًا بالفارسية ومُعلنًا ولاءه لقاسم سُليماني. وبرز اسمه في الإعلام في منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2019 في تقرير لمنظمة حقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش»، إذ نشرت تقريرًا عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك تؤكد فيه قوات مُسلحة غير مُحددة الهوية تساعد قوات الأمن الرسمية.

وأكدت المنظمة أنها تمتلك مقطعًا مصورًا يُظهر عملية إطلاق سراح ثمانية أسرى من إحدى الخيام الطبية. وحسب أحد هؤلاء الثمانية فإن من احتجزهم كانت كتائب حزب الله المُنبثقة من قوات الحشد الشعبي. كما ذكر الشاهد أن قيادة الكتائب موجودة شخصيًّا لمساعدة الجنود، إشارة لوجود المُهندس كما هو معتاد منه.

مسيرة المُهندس بقدر ما تبدو مربحة لإيران بقدر ما تجعل رحيله أمرًا مربكًا لها، فمن الصعب العثور على رجلٍ يمتلك نفس الأيديولوجيا ويستطيع أن يضمن لها ولاء أصغر جندي من جنوده. وفوق كل ذلك يكون من أبناء الظِّل الذين يخدمون في صمت، ولا تتكشف مسيرتهم أو مدى تأثيرهم إلا بعد اغتيالهم.

نقلا عن .. إضاءات 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى