مقالات مختارة

أزمة غذائية تلوح في الأفق

شريف عثمان

قبل أسبوعين كتبتُ منشوراً على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، أشرت فيه إلى صفقة شراء صندوق أبوظبي السيادي للثروة، حصة الحكومة المصرية في العديد من الشركات الكبيرة الرابحة في السوق المصرية، وهي الصفقة التي أعلن عنها بعد تخفيض البنك المركزي المصري لسعر الجنيه مقابل الدولار بأكثر من 15% مباشرة.

كان الغرض الأساسي مما كتبت لفت الانتباه إلى حجم ما أصبحت تتحكم فيه الكيانات الإماراتية من الشركات المصرية، وتحديداً في القطاع المصرفي، إلّا أنّني أشرت أيضاً إلى أنّ الإعلان عن الصفقة في أعقاب تخفيض سعر الجنيه كان بمثابة منحة للإماراتيين بتخفيض 15% من سعر بيع الشركات المصرية التي جرى الاتفاق عليها.

قام أحد الأصدقاء بحسن نية بنقل ما كتبت إلى مجموعة حوار على تطبيق واتساب تضمني مع مجموعة من العاملين في القطاع المصرفي المصري، فطعن أحدهم في صحة ما ذكرت، متجاهلاً تعدد الصفقات التي تمت لصالح الإماراتيين خلال السنوات الأخيرة وذكرتها في منشوري، ومشيراً إلى أن صفقة الصندوق الإماراتي تمت قبل تخفيض سعر الجنيه! فلما طالبته بإظهار أي مستند يثبت ذلك، لم أتلق رداً، وحتى الآن تشير كل المواقع التي بحثت فيها إلى أن الصفقة لم يتم تنفيذها بعد.

لم يكن “التخفيض” الممنوح على الشركات المباعة هو قضيتي الأساسية، خاصة مع ما تلا ذلك من الإعلان عن دخول القطريين باستثمارات بقيمة خمسة مليارات دولار، والسعوديين بنحو عشرة مليارات دولار، وربما مبالغ إضافية من الإماراتيين، وبالتأكيد سيكون سعر الدولار الجديد مقابل الجنيه هو السعر الذي سيتم عليه تنفيذ كل تلك الصفقات.

الحقيقة أن التخفيض لم يكن في الصفقات التي زاد من خلالها الخليجيون من وجودهم في السوق المصرية فحسب، وإنما كان في كل الأصول المقومة بالجنيه المصري.

كل الأصول انخفضت قيمتها، وكل الثروات، وكل الدخول بالعملة المحلية انخفضت قيمتها بنسبة 15% حتى الآن، ولا يخفى على أحد أن ذلك حدث نتيجة لسياسات لم تكن الأفضل خلال السنوات الماضية، حيث تم الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتثبيت سعر الجنيه مقابل الدولار، بينما استمر نزيف الحساب الجاري، وكل الخوف أن تستمر تلك السياسات مرة أخرى، لننتظر تخفيضاً تلو الآخر في سعر الجنيه، ومن ثم في كل ما يخص المصريين، كما حدث خلال العقود الأخيرة.

تشير التوقعات حالياً إلى قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي “البنك المركزي الأميركي” برفع معدلات الفائدة على أمواله ست مرات قبل نهاية العام، وبمجموع لا يقل عن 1.75% وقد يصل إلى 2%، بالإضافة إلى 0.75% أخرى العام المقبل، لتتجاوز معدلات الفائدة الأميركية على أموال البنك 3% للمرة الأولى منذ الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2008، وفي مثل هذه المستويات يندر توجه الأموال الساخنة للاستثمار في الأسواق الناشئة، ومنها بالتأكيد السوق المصرية.

ومع استمرار تعقد الموقف في أوكرانيا، أصيبت المنطقة التي كانت تعرف بـ “سلة القمح للعالم” باضطرابات ضخمة أثرت على مبيعاتها من القمح والشعير والذرة لأغلب البلدان، وتسببت المعارك في “ضياع المحاصيل، وتدمير مخازن الحبوب، وإحداث عواقب وخيمة محتملة على إمدادات الحبوب الدولية”، كما تقول صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وتقول وسائل إعلام أميركية إن القوات الروسية منعت وصول الصادرات الأوكرانية المعدة للتصدير إلى البحر الأسود الذي يفترض أن يتم تصديرها من خلاله، بينما أكدت الحكومة الأوكرانية أنها منعت تصدير بعض المحاصيل لضمان مقابلة الطلب المحلي في حال استمرار الحرب لفترة مطولة.

حدث ذلك في وقتٍ تسببت فيه العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على روسيا في تعطيل مساهماتها الضخمة في الإمدادات العالمية من الحبوب، أو جزء كبير منها في أفضل الأحوال، حتى إن رئيس برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة ديفيد بيزلي حذّر من “أزمة غذاء عالمية تفوق في آثارها أي شيء شهدناه منذ الحرب العالمية الثانية”. وكانت روسيا قبل غزوها لأوكرانيا أكبر مصدر للحبوب في العالم.

التطورات السابقة تشير إلى أن الفترة المقبلة قد تكون صعبة بالنسبة للعديد من الاقتصادات الناشئة، إذ تتراجع الاستثمارات الأجنبية لديها، سواء كانت أموالاً ساخنة أو استثمارات مباشرة، بسبب ارتفاع معدلات الفائدة الأميركية ونظيرتها في البلدان الأوروبية، وما ينتج عن ذلك عادة من تزايد “مخاطر الأسواق” في الأسواق الناشئة، وترتفع أسعار الطاقة التي تستوردها أغلب تلك الدول، فتتأثر ميزانياتها، وتزيد الضغوط على الحساب الجاري لديها، ومن ثم على عملاتها، وبالتالي قد تتعرض ثرواتها ودخول مواطنيها وأصولها لانخفاضات كبيرة متجددة في قيمتها الدولارية!

المشكلة هذه المرة تبدو مركبة، حيث تضعف العملات المحلية في البلاد المستوردة للغذاء، وترتفع أسعار الغذاء نفسه، إن توفر للعديد من تلك البلدان، حتى إنّ بعض المحللين اعتبر أنّ البلدان التي تستورد غذاءها “قد تتعرض للانهيار خلال الفترة القادمة، لو استمرت أسعار الغذاء، وتحديداً الحبوب في الارتفاع”.

الفترة المقبلة تفرض على الكثير من الدول الاعتماد على الموارد المحلية من الحبوب والطاقة، وإذا كانت تلك الأمور لا تتم بين عشية وضحاها، فمن الواجب علينا البدء فوراً في الاستعداد لها.

زراعة القمح لم تعد رفاهية، ومعادلة المزايا النسبية التي فرضت علينا استيراد القمح تغيرت بالتأكيد بعد ارتفاع تكاليف الشحن، وأسعار المحاصيل في السوق العالمية، وأيضاً مع تعذر الاستيراد في بعض الأحيان كما حدث في أعقاب نشوب الحرب في أوكرانيا.

وحتى نصل إلى الاكتفاء الذاتي من القمح في مصر، فينبغي توفير كلّ دولار يتم استخدامه في استيراد سلع غير أساسية، فكما نقول في مصر إنّ ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع، وما نحتاجه لاستيراد القمح يجب ألّا يستخدم في استيراد السيارات والهواتف المحمولة وأطعمة الكلاب، حتى لا يستمر مسلسل سوء ترتيب الأولويات الذي أهدر المليارات وأضاع فرص تحسين المسار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى