مدونات

إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا القُرْآنَ مهجُورًا ..يحيى طبازه

 

ورد في سورة الفرقان قولهُ -تعالى-: “وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا”، فهل اختلف الحالُ بعد أربعة عشر قرنّا من نزول القرآن الكريم؟ لا يختلف اثنان في الانتشار الكبير للإسلام كدين، حيث بلغت دعوته أصقاع الأرض وأطراف الدّنيا، وكثُرَ مُعتنقوه حتّى أصبح ثانيًا بعد المسيحيّة؛ لكن إن نظرنا إلى القرآن الكريم، كتاب هذا الدّين، هل نجدُ أنّ هذا الكتاب أخذ مكانه فعلا؟ حقيقةً، أرى أنّنا أبعد ما نكون عن ذلك.

اتّخذ كثير من المسلمين القرآن كتابًا للبركة في سيّاراتهم ومحلاتهم ومكاتبهم وبيوتهم وعزاءاتهم لا أكثر، وكثير منهم لا يتناولون القرآن إلا من رمضانَ إلى رمَضان -هذا إن تناولوه أصلاً-، وكثير من “أهل القرآن” منهم يُعامل القرآن معاملة التّعاويذ السحريّة والتّمائم، همّه كثرةُ القراءة وترديد الآيات لكسبِ مزيدٍ من “الحسنات”؛ فلبعضهم وِردٌ، فيختم كلّ شهر أو أقلّ، وبعضهم انكبَّ على القرآن تلاوةً وحِفظًا وإتقانًا للأحكام حتّى ليٌخَيَّلَ إليكَ أنّ قراءة القرآن صنعةٌ لا يُتقنها إلا الحُذّاقُ الذين أمضوا السّنوات الطِّوال في تعلّم التلاوة، وهذا -على الغلوّ فيه- لا يخلو من حُسنٍ؛ إلا أنّه ليسَ كافيًا.

يتناول الكثيرون القرآن حتّى يكون جليس بعضهم ساعاتٍ طِوالا، إلا أنّ آيات هذا الكتاب لم تزد إلا أن تكونَ كلاما يخرج من أفواههم، أو تتناوله قلوبهم بخشوع لمنزلته العظيمة، لا أكثر من ذلك. يتناولون القرآن كأحرف وكلمات و”حسنات”، لا كمعانٍ وفِكرٍ وكتاب للتدبّر والنّهضة ووسيلة لإعمال العقل، فلا يستجيبون لأوامر الله -جلّ وعلا- في القرآن نفسه، حيث قال: “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”، وقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ”، وقال: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ”، وغير ذلك الكثير من الآيات التي تحضُّ على التدبّر والتفكّر وإعمال العقل في الآيات، لا مجرّد ترديدها كما المذياع!

كفى بالمسلمين تهاوُنًا أن تجد معظم “تفاسير القرآن” المنتشرة بينهم اليوم هي نفسها المنتشرة قبل قرون من الزّمان، وكأنّي بالقرآن كتابٌ من الطّلاسم، قد فكّ المُجتهدون الأوّلون شيفرتهُ، فتمّ تنصيبُ العديد منهم منازل “الكهنة” و”الواسطة” بين الله والنّاس، فلم يعُد لأحد أن يفهَم مراد الله إلا كما فهمه المُفسِّر الأوّل. والحقُّ أنّ هذه طامّةٌ كبرى، لسببين؛ أوّلهما أنّ آيات الله في القرآن هي دعوة مباشرة للنّاس، كلّ النّاس، للتفكّر في كتاب ربّهم وتدبّره، كلٌّ على قدر استطاعته وإجادتهِ، ولهذا تتفاوتُ أفهامهم للنّص وبالتّالي استجابتهم له ومستواهم من التّكليف، وهذا ليس عيبًا فيهم ولا في القرآن، فالحسابُ ليس مسطرة واحِدة يُقاسُ عليها النّاس جميعهم، وإنّما ميزانُ العدلِ الذي يُراعي فروقهم الفرديّة.

أمّا ثانيهما فهو أنّنا نعيش في عصر الثّورة التكنولوجيّة الذي تطوّرت فيه معارف البشر، من علوم طبيعيّة وفلسفة وعلم اجتماع وأنثروبولوجيا وتاريخ وجغرافيا واقتصاد وعلم حديث، لذلك، من غير المنطقِ أن نركن تمامًا إلى تفاسير متأخرّة عن عصرنا ومعارفنا بكثير، بل واجبٌ علينا أن يقومَ علماءٌ منّا بالعمل على تفاسير جديدة للقرآن الكريم، في ظلّ كلّ التقدّم المعرفيّ المُشار إليه آنِفًا.

قد يعترضُ هنا البعض فيقولون أنّ كتاب الله ثابتٌ محفوظ، فكيف نكون مُطالبين بتفسيره في أيّامنا هذه مع كثرة التّفاسير الموجودة؟ كيف يكون الكتاب محفوظًا إن اختلفت تفاسيره؟ لذا أقول -وبالله المُستعان- أنّ نصّ القرآن ثابت محفوظ، أمّا تأويله (تفسيره) فيختلف باختلاف المؤوِّل وفَهمِهِ؛ فتفسير ابن كثير هو فهم ابن كثير للقرآن، وكذا تفسير الطبريّ والبغويّ، هو فهمهم لهُ، وهُم مجتهدون مأجورون -رحمهم الله جميعًا-، أوّلوا القرآن حسب ما فهموه في سياق الظروف التي أحاطت بهم من زمان ومكان ومعارِف.

لذلك، فإنّ هذا التأويل (التفسير، الاجتهاد) هو ثمرة تفاعلهم مع القرآن في ظروفهم هم، ولا يُنكر عاقلٌ الاختلاف الكبير بين قرننا والقرون السّابقة، لذلك من المُحال أن يكونَ لتفاعل المؤوِّل المُعاصر مع النّص النتيجة نفسها التي كانت لتفاعل مؤوِّل سابق، إلا إن استخدم هذا المعاصر نفس الأدوات المعرفيّة السّابقة ونفس العقليّة في التّفكير -وهذا موجود للأسف، فبعضهم وإن كان معنا؛ إلا أنّ عقلهُ مازال يعيش القرن الثّالث أو الرّابع أو الخامس-؛ ولذلك أساسًا يختلف تفسير الكثير من الآيات باختلاف المرجع الذي يعودُ القارئ إليه من المراجع القديمة للتفسير -المنتشرة نفسها بين أيدينا الآن-. كما أنّ هذا لا ينطبق على القرآن الكريم وحده، بل على أيّ نصّ كان، النّصّ حبيسُ أحرفهِ، ثمّ يخرج إلى الحياةِ عندما يقرؤهُ أحدهم فيتفاعل معه ويتأوّلهُ بمقدار فهمه واجتهاده.

تدخل أمّتنا في هذا الانحطاط الفكري شيئا فشيئا بتركها الاجتهاد، وركونها إلى ثقافة الشّروح والمختصرات والمنظومات وتقليد المجتهدين السّابقين وتوقفّها عند ما وصلوا إليه دون أن تضيف شيئا على ذلك. أما آنَ لهذه الأمّة أن تكون شجاعة بما يكفي لتنفض الغبار المُتكدّس على كتابها وتُعطيهُ قدرهُ، وتكونَ أهلا لما قُدِّرَ لها من تكليف؟

نقلا عن مدونة الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى