مقالات مختارة

الإسلاميون والعلمانيون .. الإخوة الأعداء..محمد طلبة رضوان

يفتقد أي طرحٍ يتعامل مع الصراع الإسلامي العلماني، بوصفه صراعًا حقيقيًا بين متنافسين حول فكرة، المراقبة الجادّة لواقع التيارين. هل يمكن مثلا أن نؤرخ لبداية الاشتباك بجدل محمد عبده وفرح أنطون؟ هكذا يفعلها بعض الباحثين، وهو حوار بدأ وانتهى، عند شخوصه، بدأ باختلاف وانتهى بصداقة وود وتفاهم، ولا يمكن اعتبار الصراع الدائر الآن امتدادًا له، لا يمكن اعتبار الإسلاميين اليوم امتدادًا للأستاذ الإمام، ولا يمكن اعتبار أغلب العلمانيين امتداداً لأنطون. ثمّة فوارق أولها وأهمها، هو الفارق بين الحوار الذي يستهدف المعرفة بمعزلٍ عن سلطة الدولة، وسلطة الجماهير، والصراع الذي لا يستهدف سوى السلطتين: الدولة والجماهير.

شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في العام 1992 مناظرة بين الشيخين، محمد الغزالي ومحمد عمارة، ومعهما مرشد جماعة الإخوان المسلمين، مأمون الهضيبي، من جهة، وفرج فودة ومحمد أحمد خلف الله من جهة أخرى، والحوار، كان جيلنا وقتها في بدايات التعرّف إلى المتناظرين، لم نكن قد قرأنا بعد كتاباتهم بشكل واف. انحزنا حسب النشأة والولاءات الأولى، ولم يزل أغلبنا يقف عند لحظة المناظرة، لا يتجاوزها، المفاجأة أنك حين تقرأ كتب الغزالي وعمارة وفودة تجدها متقاربةً بدرجة تزيد عن التسعين في المائة، يمكنك أن تستخرج أغلب أفكار فرج فودة من كتب الغزالي وعمارة، والعكس صحيح، ما الذي حدث إذاً؟ ولماذا جلس كل منهما في مواجهة الآخر؟ لماذا حل الصراع غير المبرّر محل التفاهم المتوقع من أصحاب الأفكار القريبة إلى حد بعيد؟ لماذا لم يتكرّر نموذج “عبده/ أنطون”، ووصل الأمر إلى اغتيال فرج فودة، وتورّط الشيخ الغزالي في تمرير هذا الاغتيال؟
ما حدث وقتها هو ما يحدث الآن بدرجة أكبر. الأفكار تتراجع أمام السلطة، سلطة الحكم بشرعية الإسلام، وسلطة التأثير على الجماهير بشرعية الدفاع عن الإسلام، والرغبة فيهما معا من طريق أسهل، وهو الدفاع عن الدولة من خطر الإسلاميين، لم يكن نقاش البحث والمعرفة، ولو كان لاختلفت مآلاته. ذلك لأن كلا المشروعين وقتها لم يكن لديه ما يقدّمه لجماهيره بشكل جاد، لا السلفية الإصلاحية التي جرت تسميتها بالمشروع الوسطي، كانت مشروعا تجديديا جادّا، لديه إجابات حقيقية على أسئلة الواقع، ولا العلمانية المصرية، في صورتها الـ”ضد إسلامية”؛ الجميع كان يبحث عن دور، ووجد في الآخر فرصته لتأكيد هذا الدور أمام جماهيره، كما وجدت الدولة فيهما معًا فرصتها للتأكيد على حتمية وجودها حمايةً لكل منهما من الآخر، فهي الدولة التي تحمي العلمانيين من رصاصات الإسلاميين التي اخترقت جسد فودة أمام أولاده، وهي الدولة التي تحمي الإسلام من “هجمة الملاحدة الفجّار الذين يريدون تطليع دين المصريين وإجبارهم على الزنا واللواط بالعافية”!
بعد ثورة يناير، كان ثمّة وعي جديد، تيار جديد، يحاول أن يتجاوز هذه الثنائية الخائبة؛ تشكلت أحزاب مثل مصر القوية، والعدل، والتيار المصري، من إسلاميين وعلمانيين سابقين، رأوْا مساحات التقارب في الأفكار الأساسية بين الفكرتين، وقرّروا أن ينطلقوا منها لبناء وطن وحياة مشتركة، أبرزها كان مصر القوية، نظراً إلى زخم شخصية عبدالمنعم أبو الفتوح. واجه الحزب هجمات الجميع، الدولة السابقة وإعلامها، وتخوّفات العساكر التي كشف عنها تسريب عبد الفتاح السيسي مع ياسر رزق، فضلا عن الحرب التي خاضها “الإخوان المسلمون” ضد أبي الفتوح، وترشّحهم الذي جاء بالأساس، وفق رؤية بعض الإخوان، للحؤول دون نجاحه، كان من مصلحة الجميع أن يستمر الحال كما هو عليه: إسلاميون وعلمانيون وعساكر، أي محاولة لتجاوز العساكر وعلى هامشهم الصراع الإسلامي العلماني يعني هلاك ثلاثتهم، فكل منهم موجود بالآخر، يقنع جماهيره باصطناعه العداء مع الآخر، يكتسب شعبيته نكاية في الآخر، يبرّر وساخاته بتفويت الفرصة على الآخر. من هنا، يمكن فهم طبيعة “العلاقة” بين الإسلاميين والعلمانيين وحقيقتها، وإمكانية تجاوزها، وليس بمطالبات التعايش والاصطفاف الرومانسية، تلك التي لن تسفر عن أي شيء.

نقلا عن العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى