مقالات مختارة

الانكماش الأخير لبدلة الرئيس

ابتسام تريسي

عندما كان بشّار الأسد رئيساً لسوريا قبل أن يستدعي أفاتالأرض ليساعدوه في البقاء على كرسي الرئاسة حين ثار الشّعب ضدّه، كانت ملابسه لافتة للنظر وبدلته على مقاسه تماماً!

انتهى زمن الخطابات والسّيادة وتقلص حجم التّصريحات التي يلقيها بشّار الأسد شارحاً ومفلسفاً الوضع السّوري ومطمئناً مؤيديه أنّهم ما زالوا بأمان والأمور تحت سيطرته المطلقة.

 

الوجه الجديد أو لنقل الوجه الحقيقي والحجم الحقيقي لبشّار الأسد بدأ يتضح مع قبضة الدّول التي احتلت سوريا وتقاسمتها وألغت سيادة النّظام وتحكّمت في سير الحرب على المدنيين العزّل بحجة محاربة الإرهاب وفي سبيل إلغاء الهوية السّورية وإبادة المكون السّني في سوريا.

الفتى الأهبل:
لقد بدا الوجه الحقيقي جلياً في أكثر من مشهد بدءاً بصورة الفتى الأهبل الذي يرتدي بدلة أكبر من قياسه ويحمل بارودة صيد وجهاز لاسلكي وانتهاء بالصّور التي سرّبتها روسيا أكثر من مرّة وهو يقف جانباً كأيّ جندي في جيش بوتين وآخرها استدعاؤه إلى مقر السّفارة الرّوسية في دمشق مع وزير دفاعه الذي أهين هو الآخر بكرسي صغير الحجم واطئ ليبدو هو الآخر مجرد حاجب أو سكرتير لا أكثر.

 

والمتتبع لخطابات بشار أو لقاءاته الصّحفية سيجد بسهولة أنّ أفضل حكم قيمة يمكن إطلاقه كان في البدء أنّه منفصل عن الواقع ليتصاعد الأمر رويداً رويداً إلى حقيقة أنّ هذا الرئيس ليس منفصلاً عن الواقع فحسب وإنما يعاني خللاً عقلياً اختصره السّوريون على مواقع التّواصل بكلمة (الأهبل) وقد يكون اتزانه في بعض السّاعات التي يعيشها ناجم عن الأدوية التي يتناولها لا أكثر أما بعد ارتمائه التّام في الحضن الرّوسي فقد رأينا تغيراً في نوعية الدّواء أيضاً وهذا قد يفسر الرّضا التّام بما يتلقاه من إهانات يتقصدها القيصر كي يعطي رسالة لأمريكا أنّه المتصرف الوحيد بالشّأن السّوري وأيّ تفاوض في مستقبل سوريا يجب أن يكون معه هو تحديداً.

 

رأينا بشّار في حصاد حواراته الأخيرة مثل تلميذ غبي يكرّر دروسه التي حفظها بشكل عشوائي. ففي معرض رده على سؤال التّلفزيون السّوري عن دور سوريا في عملية قتل البغدادي وشكر ترمب لسوريا أجاب ببلاهة: (على الإطلاق، لم نسمع بهذا الموضوع سوى من الإعلام.).

أيضاً عندما سئل عن اجتماع الجامعة العربية للتنديد بالعدوان التّركي على ليبيا ولماذا لم تصدر سوريا بياناً أجاب بالبلاهة ذاتها إجابة لا علاقة لها بالسّؤال مطلقاً:

(أنت تذكر عندما تمّ تجميد عضوية سوريا هل قمنا بإصدار بيان؟ لم نقم بذلك فإذا لم نكن قد أصدرنا بياناً كنتيجة لخروج سوريا من جامعة الدول العربية لماذا نصدر بياناً عندما بدؤوا بطرح

عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية. أعتقد أنّ مضمون جوابي واضح. واللبيب من الإشارة يفهم).

 

المذيعة ربما لم تفهم:
لكنّ المذيعة ذات النّظارات والتي ترتدي طقماً رسمياً يشبه ما ترتديه المُدرِّسات ربّما لم تفهم وربما أدركت أنها أمام تلميذ بليد فصارت تقرأ السّؤال من الورقة مؤكدة على كلّ كلمة بمفردها وبمنتهى البطء كي يستوعب الرئيس الكلمات ولا يتورط بالإجابة السّريعة كما حدث في السّؤال السّابق. تشرح له تصريحات قائد ميليشيات قسد حول وعد ترامب بالتّشاور مع الرّوس لإيجاد حل للقضية الكردية فيتحرك الأسد ويرفع اصبعه وكأنّه جالس في حضرة المعلمة “تقصدين اتفاق أمريكي كردي؟”

 

تضيف المذيعة تفسيراتها وتوضيحاتها وربّما كانت في هذه اللحظة بأمس الحاجة إلى وسائل إيضاح ويقسّم المخرج الشّاشة ليظهر الرئيس وهو يهز رأسه دلالة على الفهم ثمّ وبعد كلّ ذلك يقول: (كما قلت قبل قليل كلّ ما يقوله الأمريكي ليس له مصداقية سواء قاله لعدو أو لصديق النتيجة واحدة لا يعول عليه لذلك لا نضيع وقتنا في هذه النقطة).

حتى أنه عندما تحدث عن هبوط الليرة برّر الأمر بسبب القضاء على الإرهابيين الذين كانوا على علاقة تجارية معه وكانت الدّولة تستفيد من وجودهم لكثرة ما كان يهطل عليهم من دولارات!

بهذه البّساطة والشّفافية والبلادة كان يجيب والأمثلة على ذلك لا يمكن حصرها في مقال أمّا عن الدجل في مواجهة هذا الهبل فيمكن أن نتلمسه عند إعلاميي المقاومة والممانعة المعجبين أو الأصح المرتزقة والمنتفعين من تبجيله، وهم ما شاء الله منتشرون على مساحة هذا الوطن كالفطريات السّامة، هبوا جميعاً لمساندته وتحليل حواره على شاشة التلفزيون وتداعياته وشخصيته وكأنّه أعاد فتح الأندلس وحرّر فلسطين.

 

في ظهوره الأخير عندما حلّ ضيفاً على قائده بوتين في العاصمة دمشق، كان المشهد واضحاً بدلة زرقاء ضيقة على جسد نحيف منكمش، النّظرة البلهاء ذاتها، لم يخرج بسيارته الرّئاسية إلى المطار ليستقبل وفي السّفارة الرّوسية لم يستقبله بوتين عند المدخل وإنّما داخل غرفة الجلوس كأيّ زائر.

وآخر إنجازاته مرافقة بوتين ووزير دفاعه لزيارة الكنيسة والمسجد الأموي وقبر صلاح الدين.

 

اثنان عند قبر صلاح الدّين، قاتل قميء صغير وأهبل باع الوطن من أجل كرسي، وقفا قرب رأس أكبر الفاتحين والمدافعين عن كرامة الأمة العربية وأراضيها. لم يفعل بوتين ما فعله الجنرال غورو عندما دخل دمشق وداس قبر صلاح الدّين وقال جملته الشّهيرة “ها قد عدنا يا صلاح الدين”. فأعماله في تدمير سورية وقتل أبنائها لا تحتاج جملاً رنانة يتداولها التّاريخ في المستقبل.

أمّا القاتل الثّاني فلا يعرف النّاظر إليه هل ازداد طولاً أم انكمشت ملابسه عليه؟ لكنّهم أكرموه بخف لبسه فوق الحذاء أسوة ببوتين حين وطئت قدماه أرض المسجد الأموي ولم يعاملوه كما عاملوا وزير دفاعه الذي لبس فوق حذائه كيساً من النّايلون الأزرق، كتلك الأكياس التي يلفون بها الجثث المجهولة الهوية!

نقلا عن .. الجزيرة 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى