مقالات مختارة

التنظيم الدولي “منهج وإدارة وسياسة “

الخوض في أعراض الأشخاص محرم شرعا، وأدلة ذلك لاتحصى من الكتاب والسنة، لكن الكلام على مناهج الأشخاص وسياستهم وإدارتهم للأمور أمر مختلف تماما، فالتنبيه فيه والتحذير منه عند الخطأ فرض لازم، والخلط بين الأمرين بحكم واحد خلل في منهجية التفكير، ويتبعه انحراف في طريقة المعالجة،

الإنحراف في الإدراة وأمر السياسة العامة لايبرر أبدا السب أو الشتم بالأب أو الأم، أو الكراهية للذات أو سوء الأدب والخلق، والستر في جانب الأعراض الشخصية واجب، والنصيحة والحساب في أمر السياسة والإدارة لازم، والعلن فيها يقدر بقدره حسب حجم الخلل والإنحراف والتراجع عن المنهج الصحيح والمفسدة التي تعود على الأمة من وجود هذه الإدارة.

الدكتور محمود حسين والأستاذ إبراهيم منير بحسب ظني لا يشكلان حالة فردية شخصية، قد تخطئ وتصيب، فكل منا يقع منه ذلك، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، لكنه يمثل منهجية ورؤية في إدارة وسياسة شؤون الجماعة، ولذلك لا غضاضة أبدا في نصحهما على الملأ، لأن المفسدة التي تترتب على هذه المنهجية كبيرة وخطيرة، وقد تؤدي إلى هدم البنيان من أساسه

الله سبحانه وتعالى لما عاتب نبيه – صلى الله عليه وسلم – في أسرى بدر قال له:” ماكان لنبي أن يكون له أسري حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا…” عاتبه علي الملأ، بل جعل ذلك قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، ولم يقل الرسول – صلى الله علي وسلم – لربه لم العتاب على الملأ ؟ لكن الأمريتعلق بسياسة ومنهج وإدارة، فجاء الأمر بالتصويب شديدا، فحذره من السياسة القائمة علي محضية المصلحة المادية الدنيوية.

فالأصل في اعتبار المصلحة أن تكون كلية وحقيقية وعامة ومجردة من النظرة الأحادية، وإن كانت ستجلب بعض القروش الدنيوية، لكنها عطلت مصالح جمة أخري حقيقية، فليس لأجل حفنة من المال نترك عقاب أكابر المجرمين، ونتركهم دون حساب.

كرر ذلك معه – صلى الله عليه وسلم – في أمر المنافقين الذين أذن لهم بعدم الخروج معه في غزوة تبوك، فقال له : ” عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين “والأخطر من ذلك تذكيره – صلى الله عليه وسلم – في أمر الميل والركون إلى الظالمين، والتخلي عن بعض الثوابت، فرتب على ذلك عقوبة ذكرها فقط يخلع القلوب خلعا، تناسب حجم التنازل عن القيم والمبادىء، فقال له:” ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لاتجد لك علينا نصيرا” وفي نفس المعني قوله تعالى: ” ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين” .

والآيات قاطعة الدلالة في الآتي:

أولا: تقرير مبدأ الجزاء والحساب، فلا سلطة بلا مسؤولية، ونحن نتكلم عن سيد الخلق، وحبيب القلب، فحسابه عند تقصيره في أمر شرعه الشارع الحكيم مطلوب، وما دون الحبيب دون، يجري عليه ماجرى على الرسول – صلى الله عليه وسلم – فيحاسب ويحاكم على خلله وانحرافه، فطلب السلطة بلا مسؤولية وحساب وقاحة شرعية وأدبية وقانونية.

ثانيا: العقاب بحسب الجرم والخلل والإنحراف، فالعقوبات ليست واحدة، وإنما تختلف بحسب الجريمة التي فعلت، فالذي في قمة المسؤولية الإدارية عند خلله وانحرافه وتخليه عن بعض القيم والمبادئ عقابه أشد وأنكي من الذي ليس له مسؤولية أصلا، أو له مسؤولية ولكنها محدودة المكان أو الزمان أو المهمة التي يقوم بها، نعم مبدأ المسؤولية مقرر على الجميع، لكن شتان بين جرم يقطع فيه الوتين، وجرم آخر لا يهتز له الجبين.

ثالثا: الجزاء والحساب للخلل في أمر المنهج والرؤية والسياسة العامة أو التنازل عن بعض القيم والمبادئ، هو الذي تترتب عليه العقوبة المناسبة، أما الخلل في الأمور العادية والشخصية فله أحكامه التي قد يصح فيها التنازل أوالتصالح أوالعفو، وهذا ما يقع فيه البعض، إذ يجعل للجرائم الكبرى حكم الجرائم الصغري، ويعطي للخيانة والإنحراف في الإدارة والسياسة والمنهج حكم الأمور العادية والشخصية، فيطالب بالعفو أو التنازل أو التصالح وكأنه أمر خاص.

رابعا: وهو – أظهر المعاني وأوضحها- علانية النصيحة والعقوبة مع علانية الجرم والخلل، فالجرم المعلن من الإدارة يساويه النصحية والعقوبة المعلنة، هذا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أعلن الله له النصح والإرشاد، وجعله دينا وشريعة، وحذره من العقوبة التي تقع عليه عند التخلي والركون إلى الظالمين، وهنا يأتي أمر مهم جدا، ألا وهو الفصل التام بين الحب والإحترام والتقدير وصون الأعراض الشخصية، وبين عملية الإدارة ابتداء من حيث التولية، فليس كل ذي سبق يحسن السياسة العامة والإدارة، إذ هى علم وخبرة وقدرة وواقع وإدارك للماضي والحاضر والمستقبل، ليست عملية سهلة،

فهى حسرة وندامة لمن لم يقم بحقها، حتى ولو كان على صدق أبي ذر، وأمانة أبي عبيدة، وفقه معاذ – رضى الله عن الجميع- المسألة ليست بطول الزمن أو قصره، ماذا لو قارنا مثلا بين عبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان -رضى الله عنهما- فالأول فيه العلم والتربية والحديث والفقه، والثاني فيه الإدارة والسياسة والحكم، فجعل أحدهما مكان الآخر جريمة لا حب، وهدم لا بنيان، وتأخر لا تقدم.

ضبط معايير الصلاح للمهمات أمر في غاية الأهمية والخطورة، ليس موقوفا على الهوى أو الشخصنة أو العاطفة، وكلنا يحفظ حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم-” إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة ” ومعنى الساعة هنا الهلاك، وليس يوم القيامة كما يفهم البعض، فليس أضر على الأمة من تولية غير الكفء والمناسب، وهذا هو السبب الأول في سقوط الدول بعد الخلافة الراشدة، فكيف بالجماعات.

ونستطيع أن نقول الآن وبكل قوة وصراحة وعلانية -لأننا نتكلم في أمر إدارة وسياسة ورؤية – أن الدكتور محمود حسين والأستاذ إبرهيم منير لا يمثلان ذاتهما، ولا وقعا في خطأ شخصي فيكون فيه العفو أوالصفح أو السكوت عن النصح، إنما يمثل منهجية تعامل، وسياسة مجموعة من الإخوان يرونها صحيحة وسليمة، حتى ولو وقف العالم كله ضدهم، لقالوا:” …إنما نحن مصلحون “

وهذه بعض سياستهم واستراتيجيتهم بكل صراحة وعلانية :

أولا: شكلية المؤسسات الشورية داخل الجماعة، بحيث تكون المؤسسات الشورية التي تنتج الإدارة تكون تابعة لهم، وليست تعبيرا حقيقيا عن إرادة الصف ومتطلباته، وهذا لاينكره إلا مكابر، وعليه من الأدلة والشواهد ما يفوق الحصر، وأنا عشت هذا المعني وراسخ عندي بدرجة اليقين، وعندي فيه من الشواهد الشخصية التي عشتها ما يندى له الجبين، ولعلي أكتب فيه مقالا خاصا به من كثرة شواهده، والقصد من شكلية المؤسسات هو بقاؤهم فى السلطة والمسؤولىة أولا، ثم عدم الحساب والجزاء على ما مضى ثانيا.

كان من أهم مهام اللجنة الإدارية العليا الثانية إجراء انتخابات شاملة كاملة تأتي بمؤسسات شورية حقيقية وقيادة جديدة، وقلنا ونحن أعضاء اللجنة لا حق لنا في الترشح أو الترشيح لأى منصب في الجماعة، حتي تأتي قيادة مستقلة بدون أجندات مسبقة، وتنتهي أزمة الإخوان، لكن هذه المجموعة التي يمثلها الدكتور محمود حسين والأستاذ إبراهيم منير أبت كل الإباء، وامتنعت كل الامتناع، وفرقت شمل الإخوان، بقرارات الإيقاف والتجميد للمنتخبين من اللجنة الإدارية العليا الثانية ،وصنعت شوري للجماعة في مارس 2016م الذي لم يتجاوب معه سوى خمسة عشر شخصا على أكثر تقديرفى الداخل، وجاؤا بحل عبقري، ألا وهو استكمال الانتخابات، ضاربين عرض الحائط بقرارات شورى يونيو 16/2015، الذي قبله الجميع رغم تحفظات كانت عليه كثيرة، لكن عشان لم الشمل قبل به الجميع، على أساس أن هناك انتخابات كلية شاملة ستجري في خلال ستة أشهر والصف بمشيئة الله سيختار الأنسب، وضاربين بكل المبادرات التي قدمت والتي لبها وخلاصتها إجراء انتخابات شاملة وكاملة للخروج من الأزمة.

ثانيا: الكفران التام بالثورة المصرية، لأنها ماتت في نفوسهم، ومحاربتها بكل قوة ناعمة وخشنة، فعلوا الأفاعيل لهدم الثورة وتأخرها، وذكرت لذلك شواهد كثيرة في مقال سابق بعنوان المشهد الثوري المصري.

ثالثا: الإخوان في نظرهم جزء من النظام العالمى لا يتخطى أدبياته مهما كانت فاسدة، وخطوطه الحمراء مهما كانت مخلة، فصانعوا الحكومات الغربية لأجل العيش والحياة، وحتى لا تتضرر مصلحة الجماعة، وفي الحقيقة مصالحهم الشخصية، أخشى أن يستدرجوا فيصح وصف الله تعالى : ” ولتجدنهم أحرص الناس على حياة …”

كان آخر لقاء لى مع أحد مسؤولي المكاتب الإدارية المعين من قبلهم قال لي: ” لا يمكن تغيير القيادة، قلت – وكنت أنا مسؤوله – لماذا؟ قال لأنهم أعرف الناس بمصلحة الجماعة، ولن يستطيع أحد أن يدير الجماعة من الناحية الأممية إلا هم ” فاعترضنا على كلامه جميعا، وقلنا الجماعة ليست متوقفة على أشخاص مهما كانوا، والصف فيه من يناسب ذلك ويزيد.

رابعا: الصف لا اعتبار له ولا وجود، وإنما يجب عليه أن يتحرك بحركتهم، بحكم السمع والطاعة والثقة، هم الفاهمون العاقلون الراشدون، وبعض الصف للأسف تربى على ذلك، الطاعة إنما تكون فى المعروف والمألوف، وهولاء خالفوا كل مألوف في الإدارة، وبعض المعروف في القيم والمباديء، ولو كان يؤمن بالصف ما وقف ضد الانتخابات، الصف عندهم فى حكم القاصر واليتيم، فلا بد من الوصاية عليه وترتيب أموره.

خامسا: شيطنة وطرد المخالف، ووسمه بأبشع الألفاظ، ماذا فعلوا بالدكتور كمال؟ سلموه لقمة سائغة للقتل بوصفه من أحدهم بأنه داعشي الإخوان، والإخوان براء منه، الرجل المجاهد فى نظرهم إرهابيا دمويا قاتلا ، كم نشروا من مقالات، وكم كتبوا من تغريدات، وكم ألفوا من دراسات وأبحاث للصف تقول بأن المقاومة عنف، وبأن الجهاد خاص بالكفار، وأنه لاسبيل إلا بالعودة في ركاب النظام، فالخروج علي الحاكم جريمة فى كل الأحوال، وما زال عندى بحث مكتوب بخط أيديهم ويدرس في مجالسهم يقول بذلك وأشنع.

وأخيرا…

هولاء لا ولاية ولابيعة ولا طاعة لهم ولا ثقة فيهم، هم أقرب إلى الانقلابيين منهم لدعوة سامية أسسها مجاهد وشهيد، دعوة فيها زبدة الأمة من كل عالم وفقيه، وسياسي بارع وأديب أريب، تركها لهؤلاء جريمة يحاسب عليها كل من علم وسكت، ومن لم يعلم فيتبين حتى يقف على الحقيقة المرة، فيأخذهم من نواصيهم، ويحاسبهم بما اقترفت أيديهم.

مقال كتبته من عامين مع تعديل خفيف.

بقلم\ د. مجدي شلش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى