مقالات مختارة

الجيش المصري.. مجدي شلش

ثلاث قوى رئيسة تكاد تتحكم في المشهد المصري، هي على الترتيب من حيث القوة والغلبة: الجيش، الإخوان المسلمون خاصة وعموم التيار الإسلامي، النصارى.

من الممكن أن يختلف الترتيب من حيث التأثير الأدبي والمعنوي في عموم الجماهير فتأتي الحركة الإسلامية وفي القلب منها الإخوان المسلمون في المرتبة الأولي، وفي جميع الأحوال تأتي قوة النصارى من حيث النفوذ والتأثير في المرتبة الأخيرة.

قرينة نجاح الدكتور مرسي رئيسا لجمهورية مصر العربية في انتخابات 2012 م بالرغم من وقوف غالب الجيش المصري وفي المقدمة منه قيادته، وغالبية النصارى أيضا ضد نجاحه، يدل دلالة شبه قطعية أن الحركة الإسلامية عموما والإخوان خصوصا لهم من التأثير الأدبي والمعنوي الكبير لدى أبناء الشعب المصري يفوق الكتلتين الأخريين.

قيادة الجيش وغالب الرهبان تواطؤا على إنجاح مرشح النظام السابق وهو رجل عسكري إذ فعلوا ما تشيب له الرؤوس من تزوير ناعم في غالب الأحيان وخشن في بعض الأماكن التي للجيش وللنصارى تقدم ووجود، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، ونجح الدكتور مرسي رئيس للجمهورية – فك الله أسره – رغم أنفهم.

أما قرينة الانقلاب العسكري الذي قام به القزم، واستغلاله لقوة الجيش والشرطة للإطاحة بالرئيس المنتخب يؤيد الترتيب الأول، وهو أن الجيش بما يمتلكه من قوة وسلاح في مقدمة القوى في المشهد المصري الآن.
مستقبل هذه القوى الثلاث من وجهة نظري مرهون بمدى أداء المهمة والوظيفة التي ولدت وتكونت وصنعت من أجلها كل كتلة من هذه الكتل، فإذا نجحت في أداء مهمتها وبالأخص في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي قامت من أجلها، ستستمر وتقوى، وإذا تراجعت عن مهمتها ووظيفتها تقهقرت عن مركز قوتها، وربما حل عليها الذبول والأفول، وصارت أقرب إلى المومياء منها إلى صورة الحياة.

فلنبدأ بالكتلة التي لها القوة والغلبة الآن وهي الجيش، كلنا يعلم مهمة الجيوش ووظيفتها، الحفاظ على مقومات الدولة وعلى حدودها من أي غاصب أو مستعمر، فإذا خرجت الجيوش عن هذه المهمة وأصبحت بديلا عن الشعب وصاحب السيادة عليه، ووالت أعداءها الحقيقيين التقليدين، وعادت أبناء شعبها واستذلتهم، لا شك فهي أقرب إلى الخسران والتفكك، لأنها عكست المهمة من الحماية إلى القتل المباشر، وسرقة مقدرات الشعب، والاستحواذ على السياسة والاقتصاد والإعلام لمصلحة الجنرالات.

الجيش المصري الآن يمر بأصعب الامتحانات تجاه مهمته ووظيفته الحقيقية، ويكاد يجمع كل المحللين والمنصفين على أن الجيش المصري في صورته الحالية أقرب للاستعمار الفاشي من كونه في الأصل قوة وطنية لحماية البلاد والعباد ضد أعداء الخارج وما أكثرهم.

الأدلة على ذلك تقرب من القطع واليقين، ولذلك مستقبل هذا الجيش لو استمر بهذه العقيدة وتلك الممارسة في خلال عقد أو أقل من الزمان سينتهي تماما، إما من ذات نفسه، وإما من خارجه كما حصل له في حزيران 1967 م.

الخروج من هذا المستنقع الداخلي أو الخارجي مرهون بالعودة إلى مهمته الكبرى ووظيفته العظمى، وترك السلطة الزمنية لإدارة مدنية يقوم بها الأكفاء من أبناء الوطن وهم كثر، أما الاستكبار والعناد والحرص على الامتلاك فغايته ونهابته الخسران.

مازال أمام أبناء الجيش المصري رغم صعوبة الموقف على البعض فرصة للتصحيح، وقذف الزبد الذي يملأ السطح، وتطهير أنفسهم بأنفسهم من الخونة والعملاء، حتى لا تعم المصيبة على الجميع.

يختلف أو يتفق معي بعض الإخوة الكرام بقدرة بعض أبناء الجيش، وأنه مازالت عندهم الرغبة والإرادة والقوة للتغيير في مسار الوظيفة والمهمة، فمازال البعض يوقن بذلك وله شواهد على ذلك وإن كانت محدودة نظرا للظرف الراهن، والبعض الآخر يرى أن هذه المنظومة فاسدة في مخها وجسمها وحركتها، وأنه لا سبيل معها إلا البتر والاجتذاذ من الأصل، وقرائن ذلك واضحة فيما فعله الجيش المصري في أبناء وطنه وبالأخص بعد الانقلاب الدموي الغاشم.

على العموم كلا التصورين له ما يؤيده، لكن البناء على أحدهما في الرؤية القادمة يحتاج إلى دراسة عميقة متأنية قائمة على معلومات لا على تكهنات أو عواطف أو انطباعات مبنية على مواقف قد تعطي صورة ظاهرة عامة لمشهد قد لا يعبر عن الحقيقة والجوهر.

أخطاؤنا في التقييم ووضع التصورات الصحيحة لا تخفى على أحد، ليس عندنا مركز واحد متخصص في جمع المعلومات بصورة مهنية علمية، ومعظم أحكامنا ككلام الخطباء على المنابر، فالكثير منهم يجعل من الشيء الصغير كبيرا ويعظمه، وفي المقابل يجعل من الشيء الكبير صاحب الأولوية صغيرا حقيرا ويقلله.

معظم السياسيين في مجتمعنا هواة، بل بعضهم اتخذ من التحليل السياسي والظهور على الشاشات سبوبة لا أكثر ولا أقل، لا مواهب حقيقية، ولا علم أصول التحليل أو فروعه، أقرب إلى الغوغاء منهم إلى الحكمة، سيولة لا حد لها في الكلام، غالبها ضرره أكثر من نفعه.

فرصتنا الآن في تربية جيل من الشباب على الولوج في دهاليز السياسة وتقدير المصالح بأسس علمية متينة لا إفراط فيها ولا تفريط أصبح فريضة وضرورة.

نحتاج الآن من علمائنا الأفذاذ وضع تصور مناسب للتعامل مع الجيش المصري التي حالته معلومة للجميع، وكيفية الخروج من براثنه ونفوذه الذي لا حد.

لا أحد منا يكره الجيش المصري لذاته، وقد تكلمت عنه في مقالة سابقة بعنوان ” المشهد الانقلابي المصري “، لكن الصورة الآن له في غاية السواد من أفعاله، ولذلك نحن مهمتنا أن نعمل على تقويته في إطار أداء وظيفته ومهمته من باب الحرص عليه، والخوف من تدميره إما من ذات نفسه لكثرة المظالم التي وقع فيها أو من الخارج الذين يتربصون به، ويمهدون ويعملون بالليل والنهار لإتمام صفقة القرن.

المقالة الثانية من المقالات الخاصة بالثورة المصرية نشرت بتاريخ 25- فبراير- 2018م

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات