مقالات مختارة

الحزن يستوطن قلوب العرب

سامح راشد - العربي الجديد

كشف استطلاع للرأي، أجرته مؤسسة غالوب، الأميركية المختصّة في الاستشارات وقياس الرأي العام، أن شعوب ثلاث دول عربية من الأكثر حزناً وتوتراً على مستوى العالم.

وتم في الاستطلاع، وعنوانه “تقرير غالوب 2020 للعواطف”، قياس آراء واتجاهات أكثر من 175 ألف شخص من 145 دولة، بشأن مدى تعرّضهم لمشاعر معينة: التوتر، الغضب، الحزن، القلق، الألم النفسي. وأسفر الاستطلاع عن نتائج لافتة، أهمها بالنسبة لنا، نحن العرب، أن الدول العشر الأكثر حزناً تضم ثلاثا عربية، بنسبة 30% تقريباً، وهي نسبة كبيرة، تشير إلى ارتفاع معدل التوتر والحزن بين الشعوب العربية. بل كانت المرتبة الأولى لدولة عربية، العراق. ما يعني أن العراقيين هم الأكثر حزناً وتوتراً وقلقاً وتألماً نفسياً من بين شعوب العالم أجمع. وبعد العراق، جاء لبنان في المركز الثاني عربياً، والثالث عالمياً، ثم تونس ثالثة عربياً وثامنة عالمياً.

بالتأكيد ليس الحزن عربياً فقط، لكن احتلال ثلاثة أماكن من بين العشرة الأوائل يعني سيادة تلك المشاعر الكئيبة داخل المجتمعات العربية. ومما يؤكد أن الاستطلاع لم يظلم هذه المجتمعات، ولا حكوماتها، أن العراق الذي يحتل المرتبة الأولى يعاني بالفعل من سلسلة إحباطات متواصلة منذ نحو عقدين. وكذلك لبنان الذي ينتقل من أزمة اقتصادية إلى أخرى، ومن فراغ سياسي إلى آخر، منذ اغتيال رفيق الحريري قبل 15 عاماً. أما تونس، فهي ربما الوحيدة التي تحتاج مراجعة، فالتوانسة معروفون دائماً بالتفاؤل، والتطلع نحو المستقبل، وعدم الانكسار أمام لحظات الضعف أو الأزمات. ولكن ربما يرتبط وجودها ضمن الدول الأكثر حزناً وتوتراً وقلقاً، بالصعوبات الاقتصادية والمعارك المتتالية التي يفتعلها وكلاء الثورة المضادّة في الداخل، لتخريب عملية الانتقال السياسي التي لم تُكملها تونس بعد، منذ نحو عقد.

ولا يعني ذلك أن تلك القائمة غير دقيقة، أو لا تعبر عن الواقع المؤلم لبعض الشعوب في العالم، فقد شملت بقية الدول العشر الأكثر حزناً وألماً رواندا وأفغانستان وتشاد وسيراليون وغينيا وإيران وتوغو. وهي بالفعل دول تعاني بأشكال متعدّدة، وتعيش شعوبها أوضاعاً شديدة السوء. وفي الوقت نفسه، لا ينفي اقتصار العشر الأوائل على ثلاثة شعوب عربية وجود شعوب عربية أخرى تصارع الحزن والقلق والتوتر والآلام النفسية، فالتوانسة ليسوا بالتأكيد أتعس من اليمنيين أو الصوماليين أو الليبيين، فدواعي القلق والتوتر والحزن تكاد لا تترك شعباً عربياً من دون أن تمسه بدرجة ما. ربما باستثناء بعض دول مجلس التعاون الخليجي، تنعم شعوبها بحالةٍ من الرضا النسبي والسلام النفسي.

ولا يمكن لعاقلٍ افتراض أن المصريين سعداء، أو بالأدق ليسوا مُصابين بالحزن والغمّ والهم. أو أن الأردنيين راضون عن أحوالهم المعيشية، ولا يؤرّقهم الغلاء أو البطالة. أما أوضاع الفلسطينيين والسوريين واليمنيين، فلا حاجة بها إلى تقارير أو استطلاعات ترصد بؤسها وتردّيها. بل إن دولاً عربية ليست ضمن قائمة الأكثر حزناً، تتصدّر قائمة أكثر الشعوب هجرة وحصولاً على الجنسيات الأوروبية، فالمغاربة هم أكثر شعوب العالم في الانتساب إلى جنسيات أوروبية. وتليها الجزائر في المرتبة الثانية عربياً والعاشرة عالمياً. بينما جاءت سورية الثالثة عربياً والرابعة عشرة عالمياً.

وبأخذ مؤشّر السعادة العالمي في الاعتبار، تكتمل الصورة القاتمة لأحوال العرب النفسية والذهنية، فباستثناء قطر والسعودية والإمارات، تأتي بقية الدول العربية في ذيل قائمة الشعوب السعيدة، لتتكامل المؤشرات والدلائل، لتؤكّد احتلال الحزن بلاد العرب، واستيطان الألم قلوب شعوبها.

دلالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى