مدونات

في العالم العربي.. الدين في خدمة الاستبداد!..هشام العبد

 

إنَّ واحدة من المزايا الفريدة التي جذبت عبر التاريخ -وما تزال تجذب- كثيراً من الناس إلى الدخول في دين الله هو كون هذا الدين قائماً على المساواة بين البشر جميعاً، فلا أفضليَّة لذكرٍ على أنثى، ولا لأبيض على أسود ولا لعرقٍ على آخر ولا لغنيٍّ على فقيرٍ إلَّا بالتقوى، أي بمقدار الالتزام بتعليمات الله سبحانه وتعالى، فالمعيار الوحيد للمفاضلة بين الناس جميعاً في نظر الله سبحانه وتعالى هو مقدار خضوعهم للقوانين الإلهية. “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” الحجرات 13.

وبما أنَّ علماء الدين قد أناطوا بأنفسهم مهمة تبليغ القوانين الإلهية إلى الناس ودعوتهم إلى طريق الحق، فمن الطبيعي أن يلزموا أنفسهم هم أولاً بالمعيار الذي حدده الله سبحانه وتعالى للمفاضلة بين الناس، بمعنى أن لا ينطلقوا في إطلاق فتاويهم وأطروحاتهم في القضايا المجتمعية من نقطة التفريق بين الناس على أساس حاكم ومحكوم، أو غني وفقير، أو أبيض وأسود، أو عربي وأعجمي، فحين يكون معيار رجال الدين هو ذاته المعيار الذي حدده الله، فلن نرى عندئذٍ فتاوى مفصلة على قياس الحكام والأغنياء والمسؤولين.

وظيفة رجل الدين لا يجب أن تكون غض النظر عن السلوكيات الخاطئة والمخالفة للتعاليم الإلهية إذا ما قام بها من يوصفون برجال الدولة والأغنياء، وفتاواه يجب أن تكون بعيدةً كل البعد عن المصالح الشخصية وقريبة كل القرب من معيار التقوى الذي حدده الله سبحانه وتعالى، ألم يعاتب اللهُ سبحانه وتعالى علماء بني إسرائيل الذين كانوا يغضون النظر عن الربا والفساد المالي الذي كان يقوم به قسم كبير من بني إسرائيل؟ “لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” المائدة 63

إنَّ الناظر اليوم في أحوال العالم العربي يدهش من حجم الأكاذيب التي يسوقها رجال استولوا على السلطة بطريقة أو أخرى وراحوا ينهبون ثروات شعوبهم دون أن يجدوا من ينهاهم عن ذلك. هل يجرؤ عالم دين في العالم العربي اليوم على انتقاد سلوكيات رجال السلطة والمتنفذين؟ هل يجرؤ عالم دين في العالم العربي اليوم على إصدار فتوى تخالف مزاج الحكام والملوك والأمراء؟ أظن أنَّ الغالبية الساحقة من رجال الدين في العالم العربي قد اعتادت على التعايش مع أخطاء وسلوكيات المتنفذين المخالفة للتعاليم الإلهية، وبهذا تحول الدين إلى أداة طيعة في خدمة أولئك المتنفذين بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة والأمن والرفاه الاجتماعي.

في العالم العربي اليوم نجد علماء دين في الزنازين لأنهم غردوا في فضاء تويتر بشكل أزعج المتنفذين، وربما يصل الأمر إلى إعدام بعض أولئك العلماء لكونهم خرجوا سنتيمترات قليلة عن الخط الذي ترسمه السلطة الحاكمة. في العالم العربي حين يرى المتنفذون بأنَّ قيادة المرأة للسيارة غير مناسب، يتسابق رجال الدين في إصدار الفتاوى التي تحظر على المرأة قيادة السيارة بحجة أن ذلك محرم دينياً، فإذا ما تراجعت السلطة الحاكمة عن المنع تراجع رجال الدين عن فتاويهم واستبدلوها بفتاوى جديدة تروق لأصحاب القرار. وحده المجتمع هو الضحية لأنَّه في الحالتين مخدوع باسم الدين!

إذا كان رجل الدين عاجزاً عن التعبير عن رأيه بحرية، فهل ينتظر منه أن يكون وسيلة فاعلة في الإصلاح المجتمعي والحالة الفكرية؟ حين تغيب الحرية لا يمكن لنا الحديث عن الدين، لأنَّ التدين الحقيقي يقتضي بأن يكون الإنسان حراً، فكيف يكون حال العالم العربي إذا كان حاملوا لواء التعاليم الإلهية فيه مقيدين؟! ألا ينبغي على كل رجل دين مسلم أن يضع في ذهنه دائماً الآية القرآنية التي يمتدح فيها الله تعالى أولئك الذين يبلغون رسالاته ولا يخشون في قول الحق لومة لائم؟ “الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا” الأحزاب 39. إن رسالة الله لا يمكن أن تكون دعماً لمستبد أو ظالم، فأين أنتم يا حاملي رسالة الله في العالم العربي؟

نقلا عن مدونة الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى