تقاريرمصر

 كيف نجح السيسي في إعادة إنتاج السلطوية في مصر؟

دراسات

بحثت سارة تونسي الحاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية والباحثة المشاركة في معهد الدراسات السياسية، أيكس أون بروفانس، بفرنسا، و علي الرجّال، الباحث المصري في علم الاجتماع السياسي والمتخصص في الدراسات الأمنية، فى سؤال عن كيف أعاد السيسي بناء السلطوية وهيمنة على الدولة وأجهزتها؟ انطلاقًا من استعادته نكسة 1967 وإشارته إلى أنّ الدولة ضرِبت داخليًا في عام 2012. 

وعرضت في ورقة بحثية لنوع الانقلاب عام 2013، وأهمية بند التفويض في إعادة بناء السلطوية، وأهمية خطاب السيسي وعناصره المختلفة التي ساعدت في صعوده إلى الحكم وصولًا لاستعراض الاستراتيجية العملية في السيطرة على مؤسسات الدولة وتطويعها لحكمه وهيمنته، في ظلّ تماهي المؤسسة العسكرية بالدولة نفسها.

انتم نور عيني

بدأت الدراسة بالإشارة إلى قول السيسي، انتم نور عيني، وذلك في أعقاب الانقلاب، وقبيل توليه الحكم.. كانت الحرب على الإرهاب وحالتا الفوضى والاضطراب الاجتماعي ركائز أساسية للسيسي والجيش في تصفية حالة الثورة، والمطالبة بتغيير النظام العام في مصر وطبيعة بنية الدولة المصرية وطريقة الحكم بشكل عام.

وأشارت إلى أنه لم يسبق تاريخيًا أن تعرّض الجيش المصري كمؤسسة حكم لكمّ النقد والحراك السياسي ضدّه مثلما شهدت سنوات الثورة الأولى، وبالأخص منذ نهايات 2011 وبداية التصادم العنيف للجيش مع بعض القوى الثورية في الشوارع والميادين المصرية. وفي الوقت ذاته فإن دولة العسكر، التي تشكلت في مصر بعد 1952، ترى في أي نقد داخلي لسياساتها وحكامها، ومؤسساتها الأمنية على وجه التحديد، نوعًا من العمالة للخارج و “خرقا للنسيج الوطني”.

وأضافت الورقة البحثية: “يمكن القول إن ماكينة الحكم التي شكلها السيسي في سنوات قليلة، تتسم بالقوة والسرعة والعنف، بشكل لم يتسنّ لأحد من قبله. فمصر تشهد تحولات ضخمة على كافة المستويات؛ بداية بخطاب السلطة وطبيعته ومحاوره، مرورًا إلى الاقتصاد وإعادة تشكيله وهيكلته، والمجال السياسي والقضاء عليه واعتماد استراتيجية جديدة للحكم، وطبيعة ودور المؤسسة العسكرية وتسليحها، انتهاءً بشكل الاجتماع، وعلاقة الدولة به والحلفاء الاجتماعيين للنظام الحاكم. كما يتسم حكمه بسرعة إيقاع شديدة، يتباهى بها السيسي وأنصاره..

تفويض ثم انقلاب: العودة إلى نقطة البداية

في مقال منشور عام 2019، يشرح كيفين كوهلر وهولكر ألبرخت الفرق بين الانقلابات، من يقوم بها وتبعات هذه الفروق على نوع السلطة التي تلي الانقلاب مع الإشارة إلى نموذج مصر في 2013. هناك انقلابات نمطية نستدل عليها بتعريف ميشيل فوكو بأنّ الانقلاب بمثابة معارضة من الدولة نفسها للإبقاء على وجودها في الحال نفسه في مصر احتلت نقطة الإبقاء على الدولة بشكلها ذاته مركزية شديدة عند مؤسسة الجيش، كما كانت نقطة مركزية في الصراع بين أجنحة النظام السياسي لمبارك ضدّ جمال مبارك ومجموعة رجال الأعمال. ثم انتقلت بعد الثورة لتكون أهم أسس خطاب الجيش ضد الثورة ومعبّرةً عن رؤيته اللحظية والتاريخية للحكم في مصر. وتحولت إلى أداة واستراتيجية لاستئصال جماعة الإخوان المسلمين من الحكم ومن الاجتماع المصري نفسه إلى حد بعيد..

 يوضح الكاتبان أن هذا النوع من الانقلابات يحدث في ظلّ تعبئة جماعية أو تظاهرات تفوق القدرة القمعية للسلطة القائمة وهو ما حدث في مصر عام 2013، مع حشد الأطياف المختلفة وظهور حركة تمرّد… 

الجيش الأجدر بإدارة مصر

…فجزء من عجز مرسي عن إدارة البلاد يعود إلى عدم القدرة على استحضار الحوكمة حتى يقود، أو يُسيِّر، أجهزة الدولة والشعب المسيّس بعد انتفاضة الخامس والعشرين من يناير 2011. في المقابل، كان الجيش منذ 2011 يدّعي قدرته وأحقيته على إدارة الدولة وتمثيل الشعب. فقد طرحت المؤسسة نفسها أولًا، كأساس لشرعية الحكم نفسه، سواء بشكل شعبوي (مثل القول بأن مصر لا يستقيم حكمها سوى برجل عسكري) أو مؤسسي وتاريخي (مثل الجيش ممثل للشعب المصري، وتجسيد لروح الوطنية المصرية، الجيش هو المؤسسة الأكثر كفاءة وانضباطًا وحداثة في مصر، والجيش هو درع وقيادة مصر والأجدر بقيادة مصر في ظل المخاطر الأمنية والعسكرية التي تحدق بالبلاد)…. وهنا تكمن أهمية الخطابات الأخيرة للسيسي قبل القيام بالانقلاب من جانب أنها ضاعفت من القوة الرمزية للمؤسسة العسكرية وقبولها…

صعود السيسي وتحوّلات خطاب السلطة

ارتكز السيسي في بداية صعوده داخل شبكة السلطة وعلاقات القوة في مصر على ثلاث ركائز: 

  • المعلومات وإدارة الملف الأمني في مصر منذ 2011 وحتى توليه الرئاسة في 2014..

  •  قدرته على بلورة خطاب قوي وغامض أحيانًا ومضطرب لغويًا في بعض الأوقات ولكنه قادر على الاتساق بقوة مع المجتمع والدولة. وحتى أثناء تعاونه مع التيار الإسلامي وخدمته كوزير دفاع، نجح السيسي في تقديم خطاب ديني وسياسي قادر على جذب القوة الإسلامية إليه، وتحديدًا الإخوان المسلمين. .

  •  تموضع قوي داخل التحالفات الإقليمية واستغلال جيّد للظرف العالمي.

صعود نجم السيسي

ولفتت الدراسة إلى أن السيسي كان على موعد مع صعود نجمه داخل أروقة الحكم في ليلة 28 يناير 2011. مع انتشار الجيش وسيطرته على البلاد، إذ عادت المخابرات العسكرية إلى صدارة المشهد بعد غياب عقود طويلة، منذ سبعينيات القرن الماضي… ومع اقتحام مقرّات جهاز أمن الدولة، استحوذت المخابرات العسكرية على كافة ملفات البلاد. ولم يكن السيسي رجل الظلّ، فنفوذه اتسع ولم يبق فقط في خلفية المشهد. فالمخابرات العسكرية أجرت سلسلة من اللقاءات والمفاوضات مع شباب الثورة والقوى الإسلامية وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين وكان السيسي يرأس هذه اللقاءات بنفسه.

إدارة الأجهزة الأمنية

وبحلول التاسع عشر من نوفمبر 2011، أي أحداث محمد محمود الشهيرة، كان السيسي يدير المعركة والأجهزة الأمنية مثلما أقرّ بنفسه حديثًا…وأصبح الرجل يملك كافة خيوط الصراع؛ سواء لاستحواذه على كافة المعلومات والمعرفة المطلوبة بالوضع، أو لسيطرته المادية المباشرة على الأجهزة الأمنية التي تدير المشهد في مصر. وكان السيسي يدير بنفسه أصغر التفاصيل..وفي تلك الفترة أيضًا نجح السيسي في اكتساب ثقة الإخوان المسلمين والتقرب إليهم. فالرجل يتسم بعدة خصائص جعلت الجماعة تظن أنه أقرب لها؛ بسبب سمته الديني والمحافظ، شكل ومظهر أسرته وحرصه على إظهار خطابه والتزامه الديني أمام قيادات الجماعة. .

السيسي المخّلص

شهدت مصر نقلة كبيرة ونوعية في طبيعة وبنية خطاب السلطة مع اعتلاء السيسي سدّة الحكم، فمصر تمتلك تاريخ طويل مع خطاب الطوارئ والاستثناء وتعزيز الدولة البوليسية، وأضيف إلى خطاب السلطة في هذا الصدد عنصر المؤامرة الخارجية بعد استيلاء الجيش على الحكم والصراع مع إسرائيل والقوى الاستعمارية. ..

خطاب وجودي

حوّل السيسي الخطاب الأمني إلى خطاب “أنطولوجي” (وجودي) يدور حول بقاء الدولة بذاتها، لا حول مجموعة من المخاطر. أي بلغة كارل شميت، تمكن السيسي من خلق خطاب الاستثناء في أقصى ذروته وهي خطورة تهديد وبقاء الدولة…تحوّل السيسي بفضل ماكينة الإعلام والاستخبارات وتكاتف أجهزة الدولة معه إلى رمز المخلّص والمُخلِص للدولة والشعب في آن واحد. كما نجح أيضًا في التمفصل مع رغبة قطاعات واسعة لإنهاء حالة الثورة والقضاء عليها وعلى السياسة بشكل عام.. نجح السيسي عبر أجهزة الدولة المختلفة في التلاعب بالمشاعر الوطنية في أقصى صورها…وتمددت هذه الحالة الفاشية داخل الأسر والعائلات ..كانت ماكينة الإعلام الخاصة والمملوكة للدولة تعمل بكدّ على شيطنة الإخوان ونزع مصريتهم، ونزع إنسانيتهم أيضًا عبر خطاب الخرفان ..ونجح السيسي في اللعب على وتر شديد التناقض، فمن ناحية قدّم نفسه كمسلم متدين ومحافظ، ولكنه أيضًا حامي المثقفين والتنويريين والمرأة والأقباط والأقليات المختلفة من بطش التطرف الإسلامي. في هذا السياق، استقطب السيسي الكنيسة القبطية في مصر بالكامل في صفه في الحرب ضدّ الإخوان والإسلام السياسي. وتقرب منهم وتودد إليهم عبر زياراته المختلفة للقداس السنوي الكبير في ميلاد المسيح. وأتاح مساحة أوسع للكنيسة في بناء الكنائس. 

الجيش كحزب حاكم

رغم الشعبية الجارفة للسيسي إبّان ترشحه للرئاسة، لكنه لم يهتم حقيقة بعرض نفسه سوى كرجل المؤسسة العسكرية للحكم ..ولهذا أعلن السيسي نيته للترشح بعد “إخطار” القوات المسلحة كما أعلن ترشحه مرتديًا الزي العسكري العملياتي وليس الفخري..

وبالفعل قدّم السيسي نموذجًا جديدًا على مصر في الحكم. فالرجل لم ينشئ نظامًا سياسيًا كما هو متعارف عليه تاريخيًا في مصر…بل اعتمد فقط على مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية في الحكم والإدارة، وحتى في الجانب الاقتصادي..

حقق السيسي ما لم يستطع حاكم آخر منذ 1952 تحقيق:

  • حرر جهاز الدولة من أعبائه الاقتصادية والمالية تجاه المواطنين.

  • قام بتسليع خدمات الدولة بمنطق السوق النيوليبرالي. و.

  • نجح في الاحتفاظ بالطابع الاستبدادي والتسلطي للدولة المصرية.

كما أن قدومه من المخابرات العسكرية أتاح له قدرة عالية على السيطرة على المؤسسة وتغيير القيادات العسكرية الكبيرة بسهولة .

قمع الفعل السياسي من المنبع

السيسي لا يقمع الفعل السياسي فقط، بل يمنعه من المنبع ولا يترك له أي هامش للنمو والحركة والمناورة. 

نجح السيسي من خلال تمكنه من جهاز الدولة في إجهاض أي تحوّل ديمقراطي. والرجل لا يواجه أشخاصًا أقوياء وشركاء في الحكم يتحكمون في أجهزة سيادية مثلما كان الحال مع عبد الناصر، ولا يعاني نظامه من تصدعات بنيوية مثلما كان الحال مع مبارك بسبب الصراعات المختلفة بين الأجهزة الأمنية أو بسبب الصراع بين جمال مبارك ونخبته الصاعدة والجيش. كما أنه أستطاع تشكيل ديكتاتوريه عبر تفويض شعبي ثم شعبية جماهيرية ضخمة، وأيضًا عبر الهيمنة الكاملة على جهاز الدولة والقضاء على مساحات التقاضي وسيادة القانون ولو جزئيًا والإجهاز على الاستقلال النسبي للقضاء والقضاة، في حالة أقرب إلى فاشيات القرن العشرين منها إلى النظم السلطوية أو شبه السلطوية.

..وعلى عكس مبارك، يستغل السيسي وضعه العالمي والداخلي في سحق أي معارضة له. 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات