تقارير

“الشهاب”: مصر صفَت 56 من المختفين قسريًّا خلال عامين

لا يمرّ شهر حتى تخرج علينا وزارة الداخلية المصرية ببيان عن تصفية مجموعة من “الإرهابيين” في أحد “الأوكار”، ليظهر لاحقًا أن بعض هؤلاء هم ضحايا من المعارضين المختفين قسريًّا، أو المحتجزين داخل مقار الأمن بشكل غير قانوني.

عشرات البيانات بنفس التفاصيل مع اختلاف أسماء القتلى فقط، سيناريو يتكرّر بعد كل اعتداء إرهابي فشل الأمن في كشفه أو إيقافه، إذ اعتادت الداخلية خلال السنوات الأخيرة توصيف عمليات التصفية الجسدية للمعارضين بأنها “تتم في إطار تبادل إطلاق النار”.

تقرير مركز الشهاب

بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يوافق 31 أغسطس من كل عام، أصدر مركز “الشهاب لحقوق الإنسان”، تقريرًا بعنوان “مختفون قسريًّا تم قتلهم”، وثق فيه العديد من نماذج القتل الممنهج الذي تقوم به وزارة الداخلية المصرية بحق المختفين قسريًّا.

وقال التقرير: “خلال العامين السابقين، دأبت وزارة الداخلية على إصدار بيانات، تزعم فيها أنها قد هاجمت – كما تقول – وكرا للإرهابيين، ومن ثم تبادلت معهم إطلاق النار وقتلهم، ثم يفاجأ أهالي بعض المختفين قسريًّا بأن أسماء ذويهم ضمن من قامت وزارة الداخلية بقتلهم”.

“بعض هذه الحالات حررت أسرهم محاضر شرطية باختفائهم قسريًّا قبل صدور بيان وزارة الداخلية، وبعض هذه الحالات أرسل ذووهم مناشدات وتلغرافات للنائب العام ووزير الداخلية تفيد باختفائهم قبل صدور بيان وزارة الداخلية”.

وأكد التقرير على أن “بعض هذه الحالات نشرت المنظمات الحقوقية مناشدات واستغاثات من قبل ذويهم، بعدما تم القبض عليهم وتعرضهم للاختفاء القسري قبل صدور بيان وزارة الداخلية، وبعض هذه الحالات عندما ذهب ذووهم لاستلام جثثهم وجدوا آثار تعذيب واضحة عليها”.

ولفت إلى أن “بيان وزارة الداخلية بشأن مقتل هؤلاء، يكاد يكون سيناريو مكررا دون تغيير يتم نشره مباشرة عقب كل عملية قتل”، مؤكدا أنه “لم يتم تقديم دليل واحد من قبل وزارة الداخلية ضد هؤلاء على اقترافهم أعمال إرهابية، ولم يتم تقديم دليل واحد من قبل وزارة الداخلية يفيد بحدوث اشتباك وتبادل إطلاق نار”.

“لقد أصبح الاختفاء القسري خلال السنوات الست الأخيرة في مصر سمة ممنهجة للسلطات المصرية، حيث ترد إلينا مئات الشكاوى بأسماء مختفين قسريًّا، لم يستدل على مكانهم بعد رحلة بحث شاقة بين أروقة ومقرات الجهات الأمنية”.

“الاختفاء القسري يُعدّ من أكثر الحالات التي تمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان، والتي تشكل جريمة دولية، إذ إن الشخص الذي يتعرض للاختفاء القسري يصبح محرومًا من كافة حقوقه الإنسانية، فهو لا يجد من يدافع عنه، ويحيا كأنه خارج نطاق حماية القانون”.

وأوضح المركز أن “عشرات البلاغات بشأن الاختفاء القسري لم يتم التحقيق فيها، ولم يستدل على مكان احتجاز المختفي، وحتى عقب إعلان وزارة الداخلية عن مقتل بعض الأفراد، كما تدعي، في تبادل لإطلاق النار”.

“يُقدم ذوو المختفين المستندات والشهود وغيرها من الأدلة التي تفيد بأنه تم القبض على ذويهم من قبل قوات الأمن، وأنهم كانوا رهن الاختفاء القسري، لكن لا يتم التحقيق في ذلك من قبل السلطات، ما يوضح أنها على علم بجريمة جهاز الشرطة، وتتستر عليها”.

واختتم المركز تقريره مطالبًا الحكومات والهيئات والمنظمات الدولية العمل على “التوقيع والتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري من قبل الحكومة المصرية دون أي تأخير، مع الامتناع عن إبداء التحفظات التي قد تؤدي إلى عدم التوافق مع دوافع وأغراض الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري”.

كما طالب “بتسيير لجنة تقصي حقائق من قبل الأمم المتحدة، بخصوص حالات الإخفاء القسري التي تم قتلها في مصر، وبناء على تقرير لجنة تقصي الحقائق يتم فتح تحقيقات موسعة حول ما تم خلال جريمة الإخفاء القسري، وما تم بعدها من ممارسات مخالفة للقانون أدت للقتل”.

وضرورة “محاسبة المسئولين عن ممارسة الإخفاء القسري من قيادات وزارة الداخلية، والمخابرات والمسئولين عن احتجاز أشخاص دون وجه حق، داخل أماكن احتجاز غير قانونية أو سرية”.

وأوصى المركز على النظر في “الإجراءات التي اتخذها ذوو المفقودين، من بلاغات وشكاوى تثبت إخفاء ذويهم من قبل الأجهزة الأمنية، والبت فيها على وجه السرعة، والرد على أسر المختفين قسريًّا بخطاب رسمي يتضمن نتيجة البحث والتحقيق”.

أمثلة موثقة:

كشف التقرير عن توثيق 56 حالة فقط من حالات التصفيات الجسدية للمختطفين في مصر، في الوقت الذي يوجد فيه مئات الضحايا الذين لم توثق حالاتهم ولم يعلن عن أسمائهم، نظرا لنقص البيانات، أو اختفاء البلاغات.

ومن بين الأمثلة الموثقة التي عرضها التقرير من المختفين قسريًّا الذين تم قتلهم على يد قوات الأمن، طالب الهندسة “إسلام صلاح الدين عطيتو”، الذي قُبض عليه عقب خروجه من لجنة الامتحان، وأُخفي قسريًّا، ثم أعلنت وزارة الداخلية قتله مدعيةً وقوع اشتباك وتبادل لإطلاق النار في 20 مايو 2015.

كما وثق التقرير أيضا حالة المهندس الزراعي “محمد حمدان محمد علي”، الذي قالت أسرته إنها تقدمت ببلاغ للمحامي العام لنيابات بني سويف وللنائب العام يفيد بالقبض عليه يوم 10 يناير 2016، كما حرروا محضرا بذلك، ثم فوجئوا ببيان لوزارة الداخلية يفيد بقتله بادعاء تبادل لإطلاق النار.

كذلك “أحمد جلال أحمد إسماعيل”، الذي تم القبض عليه في كمين للشرطة بمنطقة المعادي وإخفائه قسريًّا، ثم تم العثور عليه متوفيا برصاصة في الرأس بمشرحة زينهم في 31 يناير 2016.

والمواطن “محمد سيد حسين ذكي”، الذي استوقفته قوات الأمن في أحد الكمائن أثناء وجوده في القاهرة، واقتادته إلى مكان مجهول في أكتوبر 2016، ثم أصدرت وزارة الداخلية بيانَ قتله مدعيةً حدوث تبادل لإطلاق النار في ديسمبر 2016.

وحالة “عبد الرحمن جمال عبد الرحمن”، الطالب بكلية العلوم بجامعة المنيا، والذي تم القبض عليه وأخفي قسريًّا، ثم أصدرت وزارة الداخلية بيان قتله مدعيةً حدوث تبادل لإطلاق النار في ديسمبر 2016.

ومن أبرز الأمثلة التي عرضها التقرير حالة الطالب الإيطالي “جوليو ريجيني”، الذي اختفى في 25 يناير 2016، بعد أن غادر مقر إقامته في حي الدقي بالجيزة، ثم عثر على جثته ملقاة على جانب طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، وعليها آثار تعذيب وحروق في 3 فبراير 2016.

التصفيات تتم برضاء السيسي:

كانت مصادر أمنية مطلعة قد صرحت لـ “العربي الجديد” بأنّ تصفية “الإرهابيين” تحظى برضا الرئيس عبد الفتاح السيسي، حين تطال البلاد أعمال إرهابية.

وأكدت المصادر أن الرئيس المصري، يطلب بشكل مباشر من وزير الداخلية سرعة الرد، عقب وقوع أي حادث “إرهابي”، وهو ما يفسّر سرعة إعلان الداخلية تصفية أعداد كبيرة من المواطنين عقب ساعات قليلة من حدوث أي عمل إرهابي أو اعتداء على الكنائس.

تشكيك ضابط سابق:

في يونيو الماضي وبعد إعلان وزارة الداخلية المصرية تصفية من قالت إنهم “إرهابيون متورطون” في مهاجمة أحد الكمائن الأمنية جنوب مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، تساءل المحللون عن أبعاد ودلائل التوسع في هذه العمليات.

شكك النقيب السابق بوزارة الداخلية المصرية “محمد صلاح” في بيانات الوزارة الصادرة في هذا السياق مؤكدا أنها “مختلقة وتعتمد وقائع غير حقيقة”، مؤكدا أن أغلب من تقول إنهم قتلوا في مواجهات معها قد ماتوا تحت وطأة التعذيب أو جرت تصفيتهم وهم عزل.

وأشار ضابط الداخلية السابق، في حديثه للجزيرة “إلى أن الشواهد السابقة على عدم تورع الداخلية عن الكذب كثيرة، أبرزها قضية الإيطالي جوليو ريجيني، الذي قتل من أجل إغلاق قضيته كثيرون، بينما لا يزال المتهم الحقيقي طليقا”.

كما أكد على أن نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستفيد من هذه العمليات، لأنها تساعدهم في إثارة الرأي العام وتجديد تعاطفه، باعتبار السيسي “الحصن أمام خروج الأمر عن السيطرة”.

كما لفت إلى أنه من ضمن سياسة وزارة الداخلية المعروفة لمنتسبيها، “حملات التأديب والانتقام” التي يكبر حجمها ويزيد عددها بقدر ما تستهدفه من انتقام وثأر، مضيفا “الشرطة لن تتحرج في أن يظهر كذبها فيما تدعيه من تفاصيل في هذا الشأن طالما حققت غرضه”.

على الجانب الآخر تعتبر وسائل الإعلام المصرية المحسوبة على الدولة، أن عمليات التصفية هي “ثأر للضحايا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى