مقالات مختارة

الفريق عنان أم الرئيس محمد نجيب؟

ممدوح الشيخ

شكَّل قرار الإفراج عن رئيس أركان الجيش المصري السابق، الفريق سامي عنان، مفاجأة بكل ما في الكلمة من معنى. وقد تفرقت السبل بالمحللين والمعلقين في تفسيره، وفي استشراف ما يمكن أن يترتب عليه، لكنه قد يكون في دلالاته “التاريخية” أكثر وضوحاً في معناه راهناً، وممكناته مستقبلاً. عنان الذي لعب دورًا رئيسًا (حرفياً) في منع نظام حسني مبارك من استخدام الجيش ضد الثوار إبان ثورة 25 يناير، أكثر من أي مسؤول آخر، مدني أو عسكري.

 

وقد شكل تسليط الضوء على هذه الحقيقة قبل سنوات صفعة لبعضهم، دفعت إلى التهديد العلني بمحاكمة الرجل عسكرياً، عندما كشفت إحدى الفضائيات عن مسوّدة ما قيل إنه كتاب في طريقه إلى النشر. وخلال الفترة العصيبة التي تلت خلع مبارك، كانت مشاركة جماعة الإخوان المسلمين السياسية موضوع صراعٍ بلغ غاية في الضراوة. وفي هذا الصراع، تبنى الفريق سامي عنان قبول وجودهم في إطار دولة القانون، وعندما أثار ترشحه لانتخابات الرئاسة خوف كثيرين، قال رجل أعمال مسيّس مقرّب من السلطة (وكان هدفه التشنيع على عنان)، إن الفريق سامي عنان كان يحاول بكل الطرق إقناعي بأن “أبلع” الإخوان!

وعندما أعلن الرجل ترشَّحه للرئاسة، تحدث بلغة أعادت إلى الأذهان، لمن لم يفقدوا الذاكرة، صورة الرئيس المصري الراحل محمد نجيب، صاحب الرتبة العسكرية الأرفع بين ضباط حركة 23 يوليو 1952، والذي دفع ثمناً باهظاً لموقفه المدافع عن الديمقراطية، الخيار الذي كان كفيلاً بأن يمنح مصر مستقبلاً آخر لو أدت توازنات القوى في السلطة آنذاك إلى السير فيه. واليوم، يعود الفريق سامي عنان حرّاً بعد أن نال الإعلام من سمعته بكل ما يمكن إطلاقه من سهام طائشة، لتنال من معارضٍ في دولة غير ديمقراطية.

ولن يفقد الإفراج عن عنان دلالاته على ما طرأ على المشهد السياسي المصري بين 1954  و2019، حتى لو قرّر، مختاراً أو مضطراً، الصمت، فالرسالة وصلت إلى كل الأطراف، والتأثير الأكثر وضوحاً قد يستغرق زمناً، لكن الإفراج عنه يظل اعترافًا بأن ثنائية مدني/ عسكري لا يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه قبل مارس/ آذار 1954. والتباكي الرسمي على ما كان عليه الحال في علاقة الحاكم بالمحكوم، خلال حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر، كان جزءًا من محاولةٍ لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، من دون أن يأخذ منفذوها في الاعتبار ما تغير في العالم وفي مصر، ومن دون إدراكٍ متبصّر لحجم ما طرأ على قابلية المحكوم لأن يتصرف (فقط) وفق ما تمليه عليه إرادة السلطة.

كان المغزى الأكثر أهميةً للموقف من الفريق سامي عنان إرسال رسالة لا تقبل سوء الفهم لمن توقعوا أن يستعيد المدنيون دورهم في إدارة الدول المصرية، من دون أن يكونوا مجرد “ديكور سياسي” لبنية انفراد سياسي مطلقة، لا مكان فيها إلا للعسكريين. ومن المفارقات أن كثيرين من الحالمين باستنساخ تجربة عبد الناصر في الحكم “خيارا مستقبليا” يتعمّدون تجاهل التغيرات الكبيرة التي شهدتها تلك التجربة بعد هزيمة يونيو 1967، وقد سمعت بنفسي من الراحل محمد حلمي مراد، وزير التعليم العالي بعد مظاهرات الطلبة الشهيرة (1968) كيف سمع عبد الناصر بأذنيه انتقادات قاسية جدا، من مراد وغيره، كانت تستهدف الاستبداد والحكم الفردي بشكل لا مواربة فيه. وحكى لي كيف كانت هذه الانتقادات سبباً مباشراً في ميلاد الوثيقة الوحيدة المهمة في عصر عبد الناصر التي تم إبعاد “عراب الاستبداد”، محمد حسنين هيكل، عنها، “بيان 30 مارس” الشهير.

وقد كان إنهاء الوضع الظالم الذي تعرّض له الرئيس الراحل محمد نجيب سنوات طويلة، كما أن التعتيم الشديد الذي أحاط بواقعة منحه حريته الكاملة، قد أفقد الواقعة تأثيرها، إلى حد كبير، فلم يشعر أحد، تقريباً، بأن مراجعة تمت، أو اعترافاً بخطأ قد حدث. أما الإفراج عن رئيس الأركان المصري السابق، الفريق سامي عنان، فقد وصلت رسالته المهمة، لا شبهة فيها ولا مواربة، حتى لو تأخرت ثمرتها السياسية إلى حين.

نقلا عن .. العربي الجديد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى