مقالات مختارة

الكنيسة في عهد الانقلاب العسكري: طائفة أم مواطنة؟

د.ممدوح المنير - المعهد المصري للدراسات

نستكمل في هذا الجزء من الدراسة تطورات العلاقة بين الكنيسة والدولة المصرية في أعقاب انقلاب الثالث من يوليو ودورها في إدارة هذه العلاقة ومدى تأثير ذلك على الاقباط  في مصر.

نجاح السيسي في الانقلاب على الرئيس محمد مرسي كان ذروة آمال قيادة الكنيسة في ذلك الوقت وهي مشاعر لم تحاول إخفائها أو حتّى ترشيدها، فقد تواترت التصريحات من قيادات كنسية مختلفة تحمل هذا المضمون من زوايا مختلفة.

 

فالبابا تواضروس صرّح على سبيل المثال في ديسمبر ٢٠١٤ بالقول إنه “يؤيد الإفراج عن حسني مبارك بعد قضائه أربعة أعوام في السجن “بسبب عمره وحسن مافعله خلال فترة ولايته، كما شن هجوماً على جماعة الإخوان المسلمين، واعتبر أنها “قدمت صورة مشوهة كان لابد من محوها سريعاً وأوصلت شعبنا كله بمسلميه ومسيحييه إلى إجماع على رفضها لرئيس المعزول محمد مرسي والتخلص منه واعتبر أن إدارة مرسي” لم تكن تليق بأي حال من الأحوال بمصر الحضارة والتاريخ رغم أنه كان يحكم باسم الدين” على حد وصفه.

هذا التصريح يحمل معنيين واضحين، ثناءه على فترة حكم مبارك وارتياحه للتخلص من حكم الرئيس مرسي أو الإخوان كما يسميه وبالتالي يمكن أنّ نتخيل حجم الدعم الذي حصل عليه السيسي لتمرير انقلابه من قبل الكنيسة سواء في الحشد في ٣٠ يونيو أو التفويض للحرب على الإرهاب كما يقول السيسي أو لفض إعتصام رابعة كما فهم الجميع.

لم يكن مشهد البابا تواضروس في انقلاب الثالث من يوليو ٢٠١٣ م اعتياديا أو سهلا، حتّى وإن ظهر بجواره شيخ الأزهر، فرغم مكانتة شيخ الأزهر إلا أنه موظف لدى الدولة وتخضع مؤسسته بكاملها لإشرافها ولكن الكنيسة ظلّت دائما مستقلة ماليا وإداريا بل حتّى قضائيا أحيانا عن الدولة.

وبالتالي الحضور في الثالث من يوليو لم يكن حضور إذعان كما قد يفهم من موقف شيخ الأزهر رغم عدم قبول ذلك أدبيا، ولكن حضور تواضروس كان حضور شراكة وتأسيس لمرحلة جديدة في علاقة الكنيسة بالدولة والمجتمع.

 

علاقة سيكون الحضور السياسي في المشهد المصري قويا و فاعلا بل متجاوزا ، حتّي أنّه يمكننا أن نقول أن ” حزب الكنيسة ” هو الحزب السياسي الأقوى في مصر بلا منازع و لا يكاد ينافسه سوى تجمع “مستقبل وطن ” الظهير شبه السياسي لدعم نظام السيسي و الذي تديره المخابرات.

بل إنّ الحديث عن “حزب الكنيسة” قد يراه كثيرون تقزيم للدور السياسي لها فالكنيسة لها فروع في ٦٥ دولة في العالم ، كما أنّ البابا نفسه قام بزيارات خارجية تجاوزت ال ٣٢ زيارة خارجية لدول العالم، لدعم نظام السيسي في الغرب الى جانب الأهداف الدينية لهذه الزيارات.

وبالتالي يمكن أنّ نقول بلا تعسّف في الوصف أنّ الكنيسة تجاوزت أداء الحزب السياسي الكبير في علاقته بالدولة والمجتمع في مصر إلى مرحلة “اللوبي” أو جماعات الضغط على غرار جماعات الضغط الشهيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، بل تجاوزتها كذلك في مستوى الندية في التعامل مع الدولة وتأثيرها عليها.

تثبيت أركان النظام العسكري

وقفت الكنيسة بكل قوتها خلف السيسي ووظفت كل إمكانياتها من أجل تثبيت أركان النظام الجديد في اعقاب انقلاب الثالث من يوليووالذيتضافر لتمريره دول عدة رافضة للثورة المصرية ومكتسباتها.

فبعد اعتقال الرئيس مرسي وتجميد العمل بالدستور وتجميد مجلس الشورى المنتخب، كان عدد المعتصمين في ميدانيّ رابعة والنهضة في تزايد مستمر وبدء الشحن الإعلامي لفض الإعتصام عبر شيطنة المعتصمين ومحاولة تقزيم المعركة من خلال الترويج لثنائية الصراع بين (الإخوان والنظام) وليس(الشعب والنظام).

واعتبار كل من في رابعة والنهضة من الإخوان و جميعهم إرهابيون متوحشون على حد وصف إعلام النظام و رموزه.

ولم تتوانى الكنيسة الشريك الأساسي في الانقلاب عن دعم إجراءات السيسي أو النظام العسكري الجديد، فعلى سبيل المثال لا الحصر،نشر تواضروس على حسابه الرسمي تغريده شكر للجيش والشرطة يوم ٢٧ يوليو ٢٠١٣م.

وهو نفس اليوم الذي قامت فيه قوات الجيش والشرطة بمجزرة المنصة التي راح ضحيتها أكثر من مئة متظاهر، لم يسمي تواضروس في تغريدته أحداث المنصة لكن فهم الجميع على ماذا يشكر البابا الجيش و الشرطة !!

كما شاركت قيادات الكنيسة في الحشد للتفويض “الشعبي” الذي طلبه السيسي لفض اعتصام رابعة تحت مسمّى القضاء على الإرهاب، فقد علّقالقمص سرجيوس وكيل بطريركية الأقباط الأرثوذكسعلى كلمته التي طلب فيها التفويض بالقول إن “الكنيسة ترحب بدعوة السيسي التي جاءت في وقتها لإنهاء الإرهاب الذي يهدد مستقبل مصر”.

هذا الموقف من التفويض لفض الإعتصامين تشاركت فيه الكنائس الثلاثة في مصر ولكننا نركز في دراستنا هنا على الكنيسة الأرثوذكسية لأنها تمثل التيّار الغالب بين الأقباط في مصر والمشرقالعربي، كما أنّ الكنائس الأخرى تتبعها في معظم مواقفها السياسية.

تعديل الدستور

وقفت الكنيسة بقوة خلف تعديل دستور الثورة المعطل الذي تم إقراره في عهد الرئيس مرسي في ٢٠١٢م،والذي انسحبت فيه الكنائس من لجنة الخميس المشرفة على اصداره، اعتراضا على مواد تعطي الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي وضعية مرجعية في إصدار القوانين وهو ما رفضته الكنيسة وقتها الى جوانب مواد أخرى.

في لجنة التعديلات الدستورية التي شكلت في أعقاب الانقلاب العسكري تم حذف المواد التي تزعج الكنيسة المتعلقة بمرجعية الشريعة الإسلامية من مواده و نُشر للبابا شنوده مقالا كبيرفي صحيفة الأهرام المصرية في١٢يناير ٢٠١٤م تحت عنوان “قل نعم تزيد النعم”، يحثّ فيه المواطنين على التصويت بنعم على الدستور المعدّل.

دعم السيسي لرئاسة الجمهورية

كانت المحطة الأهم للكنيسة في دعمها للسيسي هي الانتخابات الرئاسية ٢٠١٤م، رغم أن السيسي لم يحظى بمنافسة حقيقية وقتها على غرار انتخابات ٢٠١٢م التي اتسمت بالشفافية والإقبال الجماهيري الغير مسبوق في تاريخ الانتخابات المصرية.

إلا أنّ السيسي كان يحتاج الى “حضور شعبي” يروجه اعلاميا في الداخل والخارج ليمنحه شرعية الحكم التي يبحث عنها في اعقاب انقلابه على التجربة الديمقراطية المصرية، كما يعطي شيء من المصداقية لنتائج الانتخابات.

وكان مفتاح هذا الحشد المطلوب هو الكنيسة ومن خلفها الأقباط، فالسيسي خسر الكثير من مؤيديه بعد ما فعله في مجزرة فض الاعتصامين والتأميم المبكر للحياة السياسية في مصر.

ففي تصريحات صحفية لبطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في مارس٢٠١٤ دعى عبدالفتّاح السيسي لخوض الانتخابات الرئاسية، واصفاً ذلك بالواجب الوطني”، وقال أيضا “أن المصريين يرونه مُنقذ وبطل ٣٠ يونيو”.

فنسقت الكنيسة مع الجهات سيادية لعمليات الحشد لصالح السيسي في الانتخاباتلضمان أكبر حشد قبطي ممكن، لكن رغم ذلك كان مشهد أمام اللجان الإنتخابية محبطا للنظام و حاول استخدام أذرعه الاعلامية لإقناع الناس بالنزول و تم اضافة يوم ثالث إضافي للتصويت و تمديد ساعات التصويت على أمل نزول الناس ، لكن ظلّ المشهد باهتا.

و رغم ذلك أعلنت النتيجة بإكتساح السسيسي، حيث حصل على ٩٦.٩٪ من الأصوات مع ٢٣.٧٨ مليونصوتا،والذي يعد أكثر بعشرة ملايين مقارنة بالعدد الذي حققه مرسي في انتخابات عام ٢٠١٢م.

وهي النتيجة التي اعتبرتها جهات عدة مزورة ولا تعبر عن حقيقة ما جرى في العملية الانتخابيةوخاصة في أعداد المشاركين.

ويعتبر عدد من الخبراء أن فشل الكنيسة في حشد أنصارها للتصويت لصالح السيسي يرجع الى عدم رضى الأقباط عن الإثنين،السيسي الذي لم تتوقف أعمال العنف الموجهة للأقباط في عهده بل زادت،فضلا عن التدهور الإقتصادي الذي تأثّر به الأقباط كغيرهم من المواطنين ولاهم راضين كذلك عن قيادة كنيستهم التي لم تقف موقفا جادا مع الدولة في محاسبة المسئولين عن حوادث العنف تجاههم، بل بدت مبررة للتقصير الأمني في هذه الأحداث أكثر منها مهاجمة له.

دعم السيسي خارجيا

عانى السيسي في بداية حكمه من أزمة الإعتراف بشرعية نظام الحكم العسكري الجديد ثم بعد الانتخابات الرئاسية من أزمة شرعيته هو كرئيس للدولة المصرية جاء بإنتخابات مشكوك في نزاهتها كما أسلفنا.

دعم البابا و الكنيسة من خلفه نظام السيسي خارجيا منذ التمهيد لتظاهرات ٣٠ يونيو وفي كل المحطات التي تلت ذلك ، فكان البطريرك “يرسل الخطابات إلى أساقفة وكهنة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى المهجر، يطالبهم بالتواصل مع المجتمع الغربى والعمل على تصحيح صورة الأوضاع فى البلاد، وأن ما حدث ثورة شعبية ضد الحكم الدينى، ساندتها القوات المسلحة، وليست انقلاباً على حكم مدنى ديمقراطى كما يصور الإخوان وأنصارهم فى العالم الخارجى”على حد وصفه.

و لفهم أهمية هذا الدور نشيره إلى ما ذكره تواضروس الثاني نفسه في أحد التقارير الصحفية بالقول “أنّ أحد رؤساء الدول الأجنبية الذى قطع إجازته ليلتقى بالبابا ويسأله عن موقف مصر من 30 يونيو، ليرسم لدولته سياسة التعامل مع مصر.”

ديكتاتورية في صالح الكنيسة

معلوم أن السيسي قضى على الحياة الحزبية الحيوية بل العاصفة التي أعقبت ثورة يناير، حتى الأحزاب التي كانت تحظى بدعم غير مباشر من الكنيسة كالمصريين الأحرار قام النظام بتفجيرها داخليا واشعال الصراعات بها، حتى جبهة الانقاذ التي كانت الواجهة السياسية لتمرير الانقلاب لم تفلت من التفتيت والتصفية السياسية هي الأخرى.

هذا التأميم الكامل للحياة السياسية سهل على قيادة الكنيسة استعادت علاقتها القديمة مع النظام في أن تكون الممثل الوحيد للأقباط سياسيا ودينياومجتمعياوهو الدور الذي تراجع كثيرا بعد ثورة يناير و مناخ الحريّات التي أعقبها.

فمع الغياب للأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني لم يعد أمام العلمانيين الأقباط مجال للتعبير عن مطالبهم و حقوقهم كمواطنين مصريين و بالتالي تترس الأقباط مرة أخرى خلف أسوار الكنيسة و عادت الكنيسة هي الوسيط بينهم و بين الدولة و الكنيسة ذاتها أصبح البابا هو حلقة الوصل بينها و بين النظام، فتمّ تقزيم دور الأقباط المصريين في الحياة العامة في شخص البابا حصرا.

الأقباط وأحداث العنف

تزايدت أحداث العنف التي استهدفت الكنائس والأقباط عقب الانقلاب العسكري والتي أحصتها منظمة هيومن رايتس واتش بنحو ٤٤ حادثة فقط في اعقاب مجزرة الفض، واتهمت الكنيسة إلى جانب النظام وإعلامهجماعة دينية بما فيها الإخوان بالمسئولية عن هذه الأحداث كرد فعل منهم تجاه فضّ اعتصام رابعة والنهضةوهو ما نفته جماعة الإخوان في وقتها وأدانت مرتكبي هذه الأحداث وحمّلت الدولة المسئولية عن ذلك.

وقد أشرنا في جزء سابق من هذه الدراسة أنّ كثير من الباحثين يعتبر أنّ النظام هو من يقف وراء غالب هذه العمليات لتحقيق عدة أهداف:

– بقاء احتماء الأقباط بالنظام وبالكنيسة من المجتمع وبالتالي تحييدهم من الصراع السياسي في مصر.

– تأليب الأقباط على الجماعات الإسلامية وخاصة الإخوان يعطي للنظام زخما كبيرا خارجيا في الترويج لنفسه كحارس للدولة من هذه التيّارات العنيفة وبالتالي يضمن استمرار الدعم الخارجي له.
– تفكيك المجتمع، فالنظم السلطوية تعتمد في بقائها على المجتمعات المفككة المتناحرة التي تصبح ضعيفة في مواجهة السلطة.

الخلاصات

١- نجحت الكنيسة في استعادة علاقتها التاريخية بالنظام المصري في اعقاب انقلاب الثالث من يوليو والقائمة على احتكار تمثيل الأقباط سياسيا ودينيا.

٢- بالقدر الذي زادت فيه قوة الكنيسة كمؤسسة من مؤسسات الدولة المصرية وإن كانت مستقلة فعليا عنها، إلّا أنّها أضعفت الأقباط كمواطنين مصريين لهم حقوق وعليهمواجبات، فعززت الكنيسة من حضور “الطائفة” على حساب “المواطنة”.

٣- دعم قيادات الكنيسة وعلى رأسهم البابا للسيسي رغم النمط الديكتاتوري الوحشي في تعامله مع معارضيه والمجازر التي أرتكبها ، تسبب ذلك في خلل ديني بنيوي في علاقة الكنيسة برعاياها، فالبابا المقدس لدى الأقباط والذي من المفترض أن يمثّل النموذج الأخلاقي الأعلى للأقباط، لا يتوانى عن دعم حاكم طاغية دموي ويدافع عن جرائمه الوحشية تجاه معارضيه بل حتى تجاه الأقباط أنفسهم لتحقيق مكاسب سياسية وقتية.

٤- لم يحصل الأقباط أو الكنيسة على ما يكافئ الدعم السخي المقدم للسيسي ونظامه، فزيادة عدد الكنائس أو تقنين أوضاعها أو زيادة التمثيل السياسي في البرلمان أو الوزراة كلها مكاسب فئوية و مؤقتة، فكان الأولى بالكنيسة أن تكون ضمير المجتمع ككل و أنّ تغلّب مطالب الشعب المقهور و المأزوم على مطالب الطائفة، لأن المجتمعات هي ما تبقى في النهاية و و هي ما تمثّل شبكة الأمان الحقيقية لمواطنيها و ليس الأنظمة السلطوية الهشة.

د.ممدوح المنير – المعهد المصري للدراسات

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى