مدونات

اللُّغة العربية.. بين عبقرية الإبداع وجناية الأتباع..حرزالله محمد لخضر

إهداء إلى العربية في عيدها العالمي.. لقد أبدع الأولون في تعليم اللغة العربية وتبسيطها للناشئة وطلاب العلم باعتماد طريقة المتون التي تُقَعّدُ قواعدها وتجمع أصولها وفروعها بعبارات دقيقة ومنتقاة، كالآجرومية لمحمد بن آجروم الصنهاجي و”قَطْرُ النَّدَى وبَلُّ الصَّدَى” و”شُذُورُ الذَّهَبِ في معرفة كَلَامِ العَرَبِ “لابن هشام الأنصاري، أو طريقة المنظومات والأراجيز كألفية ابن مالك وابن معطي وغيرهما، فساعدت على ضبط مسائلها وتيسير تعلمها وحفظها حتى غدت فاكهة الحديث ولغة الإبداع العلمي والإِمْتَاعِ الخطابي؛ كمقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني والمعلقات العشر وأرجوزة ابن سينا الشهيرة بالسينائية في الطب التي ركب فيها المصطلحات الطبية والعلمية بلسان عربي فصيح وقَرِيحٍ، ومثلها أرجوزة ابن طُفَيْلٍ البديعة في الطب وعلوم الأمراض ودوائها والتي تقارب 7700 بيتا، (1) وبعده توالى العلماء تَتْرَى في شتى الميادين يخدمون العربية بإنتاجاتهم العلمية الراقية في علوم الصناعة والطبيعة والإنسان كمقدمة ابن خلدون، رباعيات الخيام، كتاب “الأنيق في المناجيق” للعالم المسلم عبقري الأندلس: ابن أَرِنْبَغَا الزَّرْدِكَاشْ (867هـ)…الخ.

1- الجمود الفكري والمعرفي.. عقوق حضاري!

بعد الهجمة الشرسة التي طالت مكتسباتنا الحضارية إثر الحملات الاستدمارية انحسر واقع اللغة العربية تعلما وتعليما وتأليفا وإبداعا، فقُدّمت -غالبا- في صورة منفرة عدا بعضَ المحاولات القليلة لإعادة بعث بريقها وأَلَقِهَا، فكلنا يتذكر ذلك البرنامج التعليمي الرائع (المناهل) الذي كنا نشاهده أيَّانَ طفولتنا والذي جسد حالة إبداعية عصرية فريدة من نوعها في تقريب مضامين اللغة ودلالاتها إلى أذهان المتعلمين، وما عدا ذلك بقيت اللغة العربية رهينة ممارسات تعليمية شوهاء غير بيداغوجية ولا تربوية من قبل بعض المعلمين، الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء تطوير خبراتهم ومهاراتهم لتعليمها بطريقة أخَّاذَةٍ وجذَّابةٍ، فلا يخفى على المهتمين أن بعض معلمي العربية اليوم لا يحسنون التحدث بها فضلا عن الإلماع فيها تعليما وتحكُّما، وهو ما أضرَّ بواقع اللغة العربية في كثير من البيئات التعليمية، فوجد أعداؤها مَلْمَزًا لمنَاوَشَتِهَا بدعاوى لا تقوى على الحِجَاجِ، وقد طفق طه حسين يصيح بقلمه محذرا من آفة انتشار العامية في صفوف التعليم، فيقول في كتابه (نقد وإصلاح): “وكان من المربين من لا يُعرِبُون إلا حين يقرؤون في الكتب، فإذا تكلموا غرقوا وأغرقوا طلابهم في اللغة العامية إلى أذقانهم أو إلى آذانهم”. (2).

2- هل العربية لغةٌ ميتةٌ؟

 

من المؤسف جدا أن يدعي بعضُ من ينتسب للفكر والعلم أن “اللغة العربية لغة ميتة لا تصلح للعلوم الحديثة!”، فالدارسون لعلم اللغات واللسانيات والأسلوبيات وأهلُ البراعة والبلاغة الضالعون في فقه اللغة وكنهها، يقفون على الحقيقة البلجاء، وهي أن العربية القُحَّةُ من أغنى اللغات الحية وأعمقها دلالة، فهي تحمل بين طياتها جهازا جِدُّ متطورٍ من البلاغة والنحو والصرف والأسلوبية والدلالة، قادر على الإبداع والإبهار إذا وجد من يرتقي إلى مستواه ويبلغ مداه، ولا أدل على ذلك من اعتراف علماء اللغة الغربيين كتشومسكي (الذي درس كتاب سبويه) بفضل اللغة العربية وميزتها وقدرتها الدلالية الفائقة، يقول د.جورج سارتون: “وهبَ اللهُ اللغة العربية مرونةً جعلتها قادرةً على أن تدوّن الوحي أحسن تدوين.. بجميع دقائق معانيه ولغاته، وأن تعبّر عنه بعباراتٍ عليها طلاوة وفيها متانة. قال الفرنسي جاك بيرك: “إن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب هي اللغة العربية، بل اللغة العربية الكلاسيكية الفصحى بالذات، فهي التي حالت دون ذوبان المغرب في فرنسا”.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: لماذا لا تواكب هذه اللغة روح العصر وتصبح لغة عالمية؟ هذا السؤال المشروع يدفعنا إلى تساؤل آخر وهو: هل الإشكال في اللغة أو فيمن يستعملها؟ وهل تنهض اللغة بنفسها أو بمستعملها؟ وكيف تتطور اللغة وتفرض حضورها على العالمين؟ إن العربية ليست لغة ميتة بل أداء وفكر الإنسان العربي هو الميت في الوقت المعاصر، فقد قصرت همته عن بلوغ مراتب الإبداع والإنتاج وتطوير نظام الحياة، فاللغة تفرض حضورها بقوة على العالم بما يقدمه أهلها للإنسانية من أدب رفيع وصناعة خارقة وإنجاز في العلوم والفنون، فالمبدع له الحق الحصري في نحت المسميات المناسبة لاختراعاته بلغته، وهذا ما كان للأمريكيين والبريطانيين فانتشرت لغتهم وصار لزاما على بقية الشعوب أن تتعلمها لتحسن تشغيل الآلات والبرامج التي أبدعتها أنامل تلك الأمم! فلا تظلموا العربية بجهل وقد وسعت كتاب الله لفظا وغاية فكيف بها تضيق اليوم عن تأليف أسماء لمخترعاتٍ؟

ولكن اللوم كل اللوم على الأيادي التي لا تصنع، والعقول التي لا تبدع، والهمم التي لا ترتفع، فالميت الحقيقي هو الإنسان وليست العربية، فبالأمس كانت الفرنسية حاضرة واليوم تكتسحها الإنجليزية وغدا قد تكون الصينية أو الألمانية فهل نقول بعدئذٍ: إن الإنجليزية لغة ميتة؟ وفي الماضي القريب كانت اللغة العبرية معدودة من مَوَاتِ اللغات فلما وجدت من يُحْيِيهَا ويغار عليها خرجت من أجداثها واستعادت حياتها؛ ليس بنفسها ولكن بالإنسان الذي طورها وفرضها بالفكر والعلم والصناعة. إن اللغة هي وسيلة؛ والتطور والإبداع والقوة الاقتصادية والتكنولوجية غاية، والوسائل لها حكم الغايات.

3- سبيل تمكين العربية وتحديثها

إن الانتصار للغة العربية لا يقتصر على مقال يُكتب أو جمعية تُنشأ أو قرار يُصدر أو شعار يُرفع، بل يستدعي ذلك تفكيرا جادا ووعيا بضرورة ترقية هذه اللغة إلى مصاف العالمية وإلباسها لَبُوس العلوم الحديثة، لتصبح لغة الاقتصاد والميكانيك والطب والصيدلة والبيولوجيا والإلكترونيك بعد أن كانت لغة الشعر والأدب والفن والبلاغة والخطابة..الخ، وهذا يتطلب إيجاد المنهجية السليمة لتدريسها وفق مقتضيات العصر وبأسلوب علمي يضاف إلى الأسلوب الشعري والنثري، وتوظيفها أثناء التدريس وتحفيز الطلاب على تداولها في إلقائهم لبحوثهم ومشاركاتهم، يقول د.عبد السلام المسدي: “ومن له أدنى قدر من الحصافة يعلم أنه من المتعذر على أي مجتمع أن يؤسس منظومة معرفية دون أن يمتلك منظومة لغوية تكون شاملة، مشتركة، متجذرة، حمالة للأبعاد المتنوعة فكرا وروحا وإبداعا.

فاللغة هي الحامل الضروري الملازم لكل إنجاز تنموي، والذي له ذاك القدر الأدنى من الرَّوِيَّةِ والرجحان عليه أن يعرف أن اللغة -بما هي موضوعٌ للتعليم وللبحث وللإنتاج- ركن أساسي في كل مشروع اقتصادي. لقد آن الأوان -ويكاد يفوت- أن نكف عن اعتبار اللغة مجرد أداة للتعبير يمكن أن نستبدل بها أي أداة تعبيرية أخرى.. إن اللغة هي المعمار الخفي الذي يتشيد به الفكر ويستقيم(3). نعم؛ اللغة هي وعاء الفكر وقد استقر لدى علماء اللغة أن الإنسان يفكر باللغة التي يتقنها ويتأثر فكره وسلوكه وخلقه بأسلوبها وآدابها وجمالياتها، فاللغة ليست مجرد أداة تواصلية فحسب، إنها فكر وأدب وخلق وقيم إنسانية وحضارية. فلن تصلح اللغة العربية إلا إذا استقام لسان أبنائها واستوى فكرهم على سماء العلوم والإبداع، وسبيل ذلك يكون بالمدارسة والمعاهدة. فرحم الله من بنوا بالعربية علوما وفُهُومًا، وأسسوا على روضتها حضارة وفنونا، فأضحوا في البرية شامة ونجوما.

نقلا عن مدونة الجزيرة
————————————————————————————————————————-
مراجع:
1- مخطوطة من القرن السادس الهجري تتكلم عن مرض السكر.
2- عبد السلام المسدي، الهوية العربية والأمن اللغوي: دراسة وتوثيق. قطر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014، ص263.
3- المرجع نفسه، ص263.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى