مدونات

المصريون يتوقون للحرية، لا لمبارك.. أبو الفتوح قنديل

في الثاني والعشرين من أغسطس/آب الجاري، نشر موقع “الإيكونوميست” مقالا بعنوان: “المصريون يتوقون لرئيسهم المخلوع حسني مبارك”.

ولم يكن من الغريب في ظل هذا العنوان أن يتلقفه المعنيون بالشأن المصري لا سيما المحللون والمراقبون السياسيون ولو بدافع الفضول لمعرفة أسباب حنين المصريين للرئيس المخلوع -كما جاء بعنوان المقال- بعد كل ما فعله بهم على مدار ثلاثين عاما من الحكم الديكتاتوري.

فهل قدم المقال تبريرا أو أسبابا أو أشكالا لذلك الحنين المزعوم؟

يبدأ المقال بذكر قصة مدير صفحة “أنا آسف يا ريس” كريم حسين، و هو ما سماه “أكبر داعمي مبارك على وسائل التواصل الاجتماعي”، والذي ألقي القبض عليه في التاسع من يوليو/تموز الماضي، لاتهامه بنشر أخبار كاذبة. ثم يعقد المقال مقارنة بين الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك من ناحية والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي من ناحية أخرى فيما يتعلق بارتفاع الأسعار وحقوق الإنسان.

ومن الجدير بالذكر أن السيسي قد أصبح رئيسا لمصر عقب قيامه بانقلاب عسكري عام 2013، ليس فقط ضد الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، بل على تجربة ثورة 25 يناير 2011، والإنجازات التي حققتها على طريق الحرية والديمقراطية.

ثم يتطرق المقال إلى عرض بعض التفاصيل المتعلقة بالظهور الجماهيري لكل من مبارك ونجليه علاء وجمال، وتأثير هذا الظهور المتكرر الذي تمثل في إثارة غضب السيسسي ونظامه.

وعلى الرغم من احتواء المقال على نقاط جيدة وموضوعية متفق عليها، كوصف مبارك بالديكتاتور، ووصف سماحه بهامش متواضع من حرية الرأي كصمام أمان له ولنظامه، لا سيما أمام الغرب، والقول بأن رد الفعل الحكومى المبالغ فيه على الظهور الجماهيري لمبارك ونجليه إنما يدل على ضعف نظام السيسي لا على قوة مبارك. إلا أن هناك عددا من أوجه الاختلاف مع مضمون المقال..

فبالإضافة إلى التناقض بين عنوان المقال من ناحية وسياقه من ناحية أخرى، فإن البدء بالإشارة إلى أكبر داعمي مبارك على وسائل التواصل الاجتماعي قد بدا إيحائيا، لاسيما في ضوء ذكر أن عدد متابعي صفحته “أنا آسف ياريس” يبلغ 3 ملايين متابع. كما أن هذا الرقم قد يثير الشك خاصة في ظل أعداد متابعي الصفحات المماثلة كصفحة “آسف ياريس” و التي يبلغ عدد متابعيها 17 ألفا فقط، وكذلك صفحة “آسفين ياريس” والبالغ عدد متابعيها 42 متابعا فقط.

وحتى مع افتراض صحة عدد متابعي صفحة “أنا آسف ياريس”، فإن هذا العدد أقل من نسبة 3% من المصريين البالغ عددهم 104 ملايين نسمة في 2017.

كما أن متابعي الصفحات المناهضة لمبارك أكبر من ذلك بكثير، مثال ذلك عدد متابعي صفحة “معتز مطر” وحدها والبالغ حوالي 9 ملايين متابع. مما يعكس حجم كل من تأييد ومناهضة مبارك على السواء.

كما أن وصف الظهور الجماهيري لمبارك ونجليه بأنه “أثار حنين المصريين لمبارك” ليس حقيقيا بالضرورة، وإنما الأقرب للواقع وفقا لثقافة المصريين وتاريخهم أن يكون قد أكد إيمانهم بحتمية زوال كل طاغية مهما طال الزمن، وكذلك قد يكون دعم بداخلهم الثقة بالنفس وبقدرتهم على الإطاحة بالسيسي ونظامه كما فعلوا بمبارك بعد ثلاثين عاما من حكمه الديكتاتوري.

علاوة على أن المقال يعتريه استدلال غير منطقي يتمثل في الحكم بحنين المصريين لمبارك على الرغم من أن قصة كريم حسين، والمقارنة بين مبارك والسيسي، والظهور الجماهيري لمبارك ونجليه وتأثيره على نظام السيسي لا تعد مقدمات تؤدي إلى استخلاص مثل تلك النتيجة غير المتوافقة معها.

وبالمثل تضمن المقال مغالطة منطقية أخرى تمثلت في اتخاذ انخفاض الأسعار فى زمن مبارك كمبرر لحنين المصريين له. وفي ذلك تجاهل لتزايد معدلات البطالة والفقر والمرض، وبالطبع انتهاكات حقوق الإنسان تحت حكمه. كما أن في ذلك إغفالا لمطالب ثورة 25 يناير، والتي كان أولها العيش ثم الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وكذلك إغفال فترة ما بعد الثورة حتى 2013، حين كان يمكن تحمل الأسعار والاستمتاع بالحرية معا -لا سيما تحت حكم مرسي-، حين كان نطاق الحرية متسعا ليشمل التظاهر والنقد بل وسب الرئيس نفسه علنا دون ملاحقة أمنية أو خوف من اضطهاد.

خلاصة

خلاصة القول أن المصريين لا يتوقون حقا لمبارك، بل للحرية والديمقراطية والحياة الكريمة. وأن خيار المصريين الحقيقي ليس بين مبارك والسيسي ولا حتى مرسي، بل بين الديكتاتورية والعبودية من ناحية، أو الحرية والديمقراطية من ناحية أخرى.

إن معركة المصريين الحقيقة هي معركة وعي في المقام الأول. ذلك الوعي الذي ينمي قدرتهم على اتخاذ القرارات السليمة، ويدعم قدرتهم على النضال من أجل حياة كريمة.

ذلك الوعي الذي يمكنهم من القيام بثورة جديدة مماثلة ليناير 2011، لينهوا الحكم العسكري إلى الأبد، ويقيموا بدلا منه دولة مدنية تضمن الحقوق والحريات لمواطنيها، وتكفل لهم تعليما جيدا وإعلاما موضوعيا، وأسسا منطقية للاختلاف أو الاتفاق. هذا هو ما يتوق له المصريون وليس مبارك.

نقلا عن العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى