مدونات

بأي ذنبٍ قتلت!

ريم مشهور

جاء الإسلام ليرفع قدر المرأة، ويحي أمرها وشأنها، فمن جماليات ديننا الحنيف وحضارته المشرقة النهي عن قتل النساء في الحرب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين” وكان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ينتصر للمرأة المسلمة، ولا يرضى بأذيتها، ومن ذلك أمره بقتل كعب بن الأشرف حين شبب بنساء المسلمين، كما جاء في سيرة ابن إسحاق قال: “ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم‏.‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏‏ كما حدثني عبدالله بن المغيث بن أبي بردة، من لي بابن الأشرف‏‏؟‏‏ فقال له محمد بن مسلم، أخو بني عبد الأشهل، أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله؛ قال‏‏:‏‏ فافعل إن قدرت على ذلك”.

فمَن أنتم حتى تقتلوا بمسمّى الشرف؟

أرواح رخيصة، وضحايا كثيرة، انضمت إلى مئات النساء والفتيات اللواتي لقينَ حتفهنَّ على خلفية ما يسمى عند الجهالة بمفهومه المغلوط “شرف العائلة”، مجتمعات ذكورية شرقية تواطأت منذ القدم في أبشع محاولات تجميل عمليات قتل الأنثى العربية، وإحلال جرائم الذكور ذريعة الدفاع عن العرض والشرف، مجتمعات مكبّلة بعادات وتقاليد ظالمة تُرغم الأنثى  لتكون الضحية الدائمة لرابطة من الأفكار المهترئة والمجرمة  في سلب قيمتها الإنسانية وحقها في الحياة، وكأّن قتلها مباح لتفخر الرجولة بقيمة شرفها، وترقص القبيلة وتطرب فوق جسدها المخضّل بالدماء، ولن تمنحها فرصة للتفسير ولا حتى الاقتصاص من القاتل بعد قتلها. إن القانون ما زال قاصراً بوجود العذر المخفف للعقوبة لمن يقتل بذريعة الشرف، والمجتمع ما زال تائهاً في أن يعتبر الجريمة جريمة، أو أن يعتبرها قضية رأي قابلة للتداول والنقاش، وتحتمل الخلاف في وجهات النظر، حقاً إنها إنسانية مسفوحة على مذبح تقاليد رثّة بمجمع الأشكال والصور.

إنَّ للتاريخ الإسلامي شواهد كثيرة، ومواقف فريد، تروي ردود أفعال مشرفة، لكل من تعرض للنساء بإهانة أو أذية، فالنساء المسلمات مكرمات مصونات، دمائهن معصومة، إلا أن جاءت تلك الرواسب المعششة القابضة على خناجر القتل تلك الآفة الضاربة عقولهم، فلم نسمع يومًا بحادثة قتل رجل على مأّتى قضية الشرف، أقول ذلك آسفة ومستنكرة لما حصل من حوادث القتل في الآونة الأخيرة  التي تركت غصة وغُمّة في قلوبنا، فقتل النساء بداعي الشرف دم يلّوت أصحاب القرار، ولا شرف لرجل يقتل، فالجرائم في حق النساء هي بمعظمها وليدة مجتمعاتنا وثقافتنا البالية، وقال الكاتب الفلسطيني جواد بولس: كلّما أقرأ عن جريمة قتل يتيمة باسم الشرف أقول: هنيئأ لهم الشرف المخبأ في شقوق أكعابهم، أسياد التخلف والرياء، كهنة بابل والصحارى الخاوية، لا أعلم من أين سيأتي الفرج، وكيف ومتى سنصبح أمّةً لا تقتل، وتبرر أنهر الدم باسم شرف مهزوم ومزعوم، وتعيش في بحور من كذب ورياء ودجل.

هناك رواية أصدرها الشاعر والروائي “إبراهيم نصر الله” والتي تسمى “شرفة العار” سنة 2010 تزامناً مع اليوم العالمي للمرأة، وهي الرواية الثالثة من ضمن مشروعه الروائي: “الشرفات” والذي يضم عدداً من الروايات، تدور الرواية حول قتل المرأة لتطهير الشرف، سواء كان ذلك الشرف قد دنسته برضاها أو بغير رضاها، كما سنرى مع “منار” بطلة رواية “شرفة العار” التي يفتتحها كاتبها “ابراهيم نصر الله” بتقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة عام 2009 والذي يشير الى: أن عدد ضحايا جرائم الشرف في العالم هو 5000 امرأة. حيث تشير الأرقام إلى وقوع 15 إلى 20 جريمة قتل سنويا في الأردن. وفي مصر عام 2009 كان عدد جرائم الشرف 52 جريمة، وفي العراق 34 جريمة في العام 2007، وفي الأردن 28 جريمة في العام 2005، وفي لبنان 12 جريمة في العام 1998، فمن خلال هذه الرواية أراد الروائي أن يلفت النظر إلى الواقع التي تعيشه المرأة العربية، وما خفي كان أعظم.

لا أجد أي مبرر قد يعطي الحق لأي إنسانٍ بإنهاء حياة أي شخص آخر مهما كانت جريمته، ولقيمة الإنسان وحرمة دمه عند الله تعالى، حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً”. وأعظم من ذلك كله ما جاء عند أحمد والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله علبه وسلم قال: “يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني حتى يدنيه من العرش”. فماذا سيكون جواب القاتل عند سؤال رب الأرباب.

نقلا عن .. مدونات الجزيرة 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى