مدونات

بخل الزوج بين الصحة والبطلان

كان قرار ابنة عمي بالطلاق خبر صادم وجريء، رغم ذلك حاولت عائلتي المحافظة تقبله رغما عنها، بعد أن أدلت بحجتها القاطعة ويأسها الكلي في امكانية تغيير ما يطغى على زوجها من طباع سيئة أكثرها مقتا البخل، وهذا ما نتج عنه فى نهاية الأمر تنامي مشاعر الكراهية والبغض، من الزوجة والأبناء نحو الزوج كمصدر للمنع والحرمان.

وصفة البخل صفة شأنها شأن سائر الصفات النفسية التي تترسخ في الأفراد منذ الصغر، فيختلط فيها العامل الوراثي بالعامل المكتسب، ويتميز هذا النمط السلوكي السلبي بالأنانية المفرطة والمغالاة في حب الذات والمادة، حيث يقوم هذا الإنسان بتحديد قيمه وثوابته طبقا لأولوياته، عن طريق اعداد قائمة في خياله يدون فيها أكثر الأشياء قيمية في الحياة، وعلى رأسها بالطبع المادة واثبات الذات.

لا يقتصر البخل فقط على الإنفاق المادي فالبخيل في النقود بخيل في المشاعر أيضا، والذي نتج عن الموروث الاجتماعي والثقافي لمجتمعاتنا الذكورية

ويترتب على ذلك معاناة الزوجة وأولادها من العقد النفسية والأمراض الجسدية، المرتبطة بسوء التغذية (الأنيميا، فقر الدم…)، وهذا لكون زوجته لا تحصل على مصروف يومي يكفي لسد حاجيات البيت الضرورية، والكارثة عندما ينسلخ من مسؤولياته بسبب وظيفتها التي يعتمد عليها كليا في مصروف البيت، بالمقابل يتجنب الحديث بخصوص الأمور المادية ويخفي عنها حقيقة دخله، مما يولِّد داخل المرأة خصال قبيحة، فتضطر أحيانا إلى اِخفاء النقود التي ينساها الزوج في ملابسه وشراء ما تحتاجه، أو تلجأ للكذب فتشتري أشياء بثمن وتخبر زوجها أنها اشترتها بثمن باهض، حتى تقوم بالتوفير من ورائه.

ولا يقتصر البخل فقط على الإنفاق المادي فالبخيل في النقود بخيل في المشاعر أيضا، والذي نتج عن الموروث الاجتماعي والثقافي لمجتمعاتنا الذكورية التي أرغمته على أن يكون مكبوت المشاعر، فقد ترعرع في بيت يفتقر للسلوكات الحميمية بين الوالدين، فماذا تنتظر من شخص شُبِّع بمفاهيم سلبية تصور له أن الرجل لابد أن يكون صارما قويا، أما الرجل الذي يلاطف زوجته فهو رجل ضعيف؟، وهكذا اعتاد الرجل إخفاء مشاعره اتجاه زوجته حتى في المناسبات الخاصة بينهما، وهذا ما يحول أبناءه إلى شخصيات ممزقة مستقبلا، في محاولة منهم لتعويض نقصهم في الطفولة، ويؤدي في بعض الاحيان لانفصال الزوجين فالزوجة تريد من زوجها أن تشاركه الحياة بكل تفاصيلها العملية والعائلية.

ولا بد أن يعلم الرجل أن شحه في عاطفته اتجاه زوجته يسبب اضطرابها وتوترها واِصابتها بمختلف الأمراض النفسية، على رأسها الاكتئاب وفقد الثقة في نفسها، حيث تشعر أنها مهمشة ومحرومة، الأمر الذي يدفعها للسخط على حياتها، وربما يؤدي بها في أسوأ الأحوال إلى الانحراف والخيانة الزوجية في وقت يستعيض فيه الزوج عن مشاعره -التي كبتها بيده تجاه زوجته- بالنظر إلى أخريات والتعبير لهن عن مشاعره الجميلة تجاههن في الوقت الذي كانت زوجته أولى منهن بذلك، فيضعف نبض الحياة الزوجية ويتدهور مستواها وتصل إلى المرحلة التى نطلق عليها فى الطب النفسى بالانفصال العاطفي أو الطلاق النفسي.

وفي الوقت الذي تتهم الزوجة فيه الرجل بالبخل المادي، نجد بالمقابل أن الرجل يعتبر بخل زوجته نوعا من الحرص على نقوده، ومن هنا يجدر بنا أن نُنَوّه إلى نقطة مهمة جدا مضمونها أنه لا يمكن الحكم على رجل ما بالبخل استنادًا إلى شكوى زوجته، وقد تكون متقنة لدور الضحية بشكواها المستمرة بالرغم من أنها مبذرة، فبعض النساء قد يدفعن بدون قصد الرجل للبخل، حيث يجبر الرجل على اخفاء راتبه عن أعين الزوجة حتى لا تصرفه بالكامل من باب التبذير، وأحيانا يكون اسراف الزوجة متعمدا لأن بعض النساء يعتقدن أن الزوج المفلس زوج مخلص، وأن المال في يد الرجل قد يجره إلى أحضان امرأة أخرى، وكفكرة شائعة غناه يُمكِّنه من أن يعدد كحق من حقوقه إذا كان مقتدر.

لدى قبل أن نحكم على بخل شخص ما يجب أن نتحقق من ذلك، فقد يكون الزوج بخيلا في نظر المرأة ولكنه في الواقع حريص، ولا بد من التفريق بين البخل على الزوجة وبين حسن إدارة المال، فبعض الزوجات قد تجد من زوجها دقة في انفاق المال وهذا أمر لا حرج فيه، وأحيانا قد تمنعه ظروفه المادية من النفقة بشكل كامل عليها، فالمطلوب أن يكون الإنسان متوسطا في نفقاته اليومية وفي ادخاره لماله والنبي عليه الصلاة وسلام نهى عن إضاعة المال، وصح عنه أيضا أنه قال:”كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت”، وحرص الرجل على ماله من أجل النفقة على أبنائه في المستقبل أمر مطلوب شرعا.

في حالة بخل الزوج الشديد يحل للمرأة أن تصارح بعض محارمها ممن يعقلون ويحسنون الخطاب، فإذا لم يأت الأمر بنتيجة تأخذ من ماله بدون علمه بالمعروف فلا تتجاوز الحد

في حين تكون محقة غالبا في حالة اتهامها له بالبخل العاطفي، وذلك لأن المجتمع العربي يرفض أن يسهب الرجل في مشاعره اتجاه زوجته حتى لا يلغي_في اعتقادهم_شخصيته أمامها فتحاول السيطرة عليه، وهذه النظرة السلبية من قبل المجتمع تؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار الزواج، لأن الحياة التي نعيشها مليئة بالأعباء والضغوط وتحتاج إلى مزيد من العاطفة من قبل كلا الزوجين، كمساحات تعويضية عن هذه الأعباء حتى يتمكنا من الاستمرار، وبدون هذه المشاعر تنهار الأسرة وتزداد حالات الطلاق والزواج الثاني والزواج العرفي، وغالبا ما تكون المرأة مسؤولة عن ذلك أيضا، لأنها عادة لا تعتني بمظهرها وجمالها داخل المنزل، وربما فيض العواطف والمشاعر ينهمر إذا اعتنت بمظهرها أمام زوجها.

ولابد من الوعي أيضا بأن سخاء العواطف أو ترشيدها ليس مقرونا بطبيعة المرحلة التي يعيشها الزوجان، فالمشاعر قبل الزواج تختلف عنها بعد الزواج وتختلف أكثر في خريف العمر، فعادة ما يكون الرجل أكثر كرمًا في مشاعره قبل الزواج، ثم تأخذ المرأة هذا الكرم ليصبح سمتها بعد الزواج، أما في خريف العمر فتكون مشاعرهما أكثر تعقلاً، حيث تنصب على طرف ثالث هو “الأبناء”.

ويجرنا الحديث هنا إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة وقسوة الظروف، المادية التي أصبحت مسؤولة عن اختفاء قيمة الكرم، وذلك بالنسبة للمادة والمشاعر في آن واحد، لأن المشقة التي يعانيها الإنسان في السعي نحو الرزق جعلته أكثر حرصا على ماله وأفقدته الوقت الذي يمكنه أن يجود فيه بمشاعره اتجاه شريكه، وإن كنا نؤكد على أن أخلاقيات الناس أيضا قد اختلفت عما كانت عليه قديما، بسبب تخلي الآباء عن دورهم في غرس القيم النبيلة لدى أبنائهم بل إنهم صاروا مشغولين عن مجرد التربية…

وينصح الأخصائيون الزوجة في حال معاناتها من بخل زوجها بمصارحته بشكل لطيف بحاجاتها ومطالبها، ونصحه بطريقة غير مباشرة، فتذكر له أحياناً فضل النفقة على الأهل ولا تشعره أبدا بأنه هو المعني أو المقصود، كما عليها أن تظهر له حرصها على ماله، وأنها غير مبذرة، فإن أنفق عليها مرة بسخاء أثنت عليه ومدحته على فعله، فالنفوس مجبولة على حب المدح والثناء، وينصح عدم اتهامه أو مهاجمته أو توبيخه لأنه في هذه الحالة سيزداد سوءاً، لذلك يجب التعامل معه بواقعية وبمنطق، وعلى سبيل المثال إذا رفض زيادة المصروف يمكن اصطحابه إلى السوق ربما يشعر بارتفاع الأسعار وضرورة التضحية ببعض من أمواله لصالح الأسرة، وبالصبر يمكن على المدى الطويل تعديل بعض من سلوكه وتحويله من رجل بخيل إلى رجل حريص.

أما في حالة بخل الزوج الشديد يحل للمرأة أن تصارح بعض محارمها ممن يعقلون ويحسنون الخطاب، فإذا لم يأت الأمر بنتيجة تأخذ من ماله بدون علمه بالمعروف فلا تتجاوز الحد، فقد ثبت عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: جاءت هند إلى النبي (عليه الصلاة والسلام) فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت من ماله وهو لا يعلم، فقال: “خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”

ببساطة ضعي بين عينيك أنك لم تتزوجي من فارس الأحلام، ولن تفعل ذلك أي امرأة، ففارس الأحلام نحن من نصنعه بحبنا ونظرتنا للأمور الإيجابية دائماً ومحاولة غض بصر القلب قبل العين عن الأمور السلبية، وتعلمي دائماً أن تحبي ما تجدين وليس أن تجدي ما تحبين، فهذا ما سوف يجعل حياتك أيها الزوجة أكثر حباً وأكثر سعادة

بقلم\ زعير نجود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى