مقالات مختارة

بـ”اللودر والسقالة”.. هكذا يُعيد السيسي تشكيل المجتمع المصري

مصطفي علي

في مصر، تعاظم ملف الإنشاءات والبنية التحتية والتعمير كثيراً في السنوات الأخيرة، لدرجة تجعل النظام الحالي يبني شعبيته ويروّج لنجاحاته من خلال عمليات الإنشاء والتعمير، معوضاً به فشله في ملفات أخرى في الحياة السياسية والمجتمع المدني وبعض القضايا الدبلوماسية التي تمس الأمن القومي المصري.

لا يكف الرئيس ولا تكف حكومته عن التحدث عن العشوائيات والتعمير في كل فرصة متاحة، وقد أتمت الحكومة بالفعل تشييد العديد من المدن البديلة للعشوائيات كـ”تحيا مصر” و”حي الأسمرات” على نطاق واسع في الجمهورية، وتتواصل تلك المشاريع اختراقها لأطراف وضواحي الجمهورية.

إن مجال الإنشاءات القوي ذلك، يوفر حياة أفضل في الواقع لسكان العشوائيات والمقابر، وبالتوازي مع ذلك يوفر حياة أفضل أضعاف أضعافها للطبقة العليا التي يزداد تخندقها في مدن جديدة مستحدثة منعزلة عن غيرها من الطبقات في المجتمع، وبرغم الوظيفة الحياتية التي يوفرها العمران للناس، فإنه يلعب دوراً وظيفياً سلطوياً هائلاً يمكن الدولة أكثر فأكثر من هندسة المجتمع عمرانياً وسلوكياً، مما يسهل اختراقه وإعادة تشكيله، وفقاً لما يتناسب مع هواها وسياساتها.

العشوائوفوبيا

حين ننظر إلى القاهرة نجدها محاطة من جميع الجهات بالمجمعات السكنية الفارهة المسيجة، والتي تزيد في توسعها على قدم وساق ولا يضاهي ذلك النوع من العمران أي عمران مواز للأقل حظاً والأكثر عدداً من السكان، إنه نوع من العمران يستطيع خلف نمطاً من الحياة والاستهلاك يمتص كل فوائض النظام الرأسمالي ويعيد توجيهها للأغنياء، فأصحاب هذه المساكن يملأونها عادة بالمنتجات الغالية وإضافة إلى تكلفة البناء نفسها.

حين يضيق المكان على غير القادرين على سكن تلك المنتجعات فإنهم ينزحون إلى وسط المدينة المتهالك لمن ما زالوا قادرين على تحمل تكلفته، أو إلى أطراف أبعد تقام فيها عشوائيات أضخم، ويتوغل هذا التوسع في بناء المجمعات السكنية المغلقة على مناطق قديمة ومتهالكة يسكنها أصحابها من مئات السنين، تهاوت مرافقها وتدهورت أحوالها حتى أصبحت تعد في عرف السلطة مناطق عشوائية يجب أن يشملها التطوير والتحديث حتى لا تسيء للشكل الحضاري للمدينة، ولا نجد أجلى في هذا السياق من منطقة مثلث ماسبيرو بوسط القاهرة التي تعد تجسيداً للتخطيط العمراني الفوقي والانحيازات الطبقية واعتبارات الجدوى الاقتصادية الباردة التي ترى المواطنين عقبة في سبيل التنمية، وليسوا موضوعها وهدفها، وقد تعرض سكانها للتحرش من الحكومة منذ الثمانينيات، حتى نجحت الحكومة الحالية في إخراجهم تماماً وإخلاء هذه الواجهة النيلية.

لم يكتشف النظام الحالي خطر العشوائيات على استقرار الدولة المصرية، فحينما صعد إلى السلطة كانت تلك قضية بارزة للعيان، واحتلت مساحة كبرى للنقاش في الثورة والمناخ الذي أعقبها، وكان النظام على علم بالأخطاء التي وقع فيها سابقوه بشأن هذا الملف سواء تكاسلاً أو عجزاً، وكان العمل في ملف العشوائيات هو رهان النظام الحالي.

لقصة العشوائيات مع السلطة في مصر امتداد تاريخي يذهب بعيداً، ولكننا نستحضر جذور الأزمة الحالية بدايةً من عصر السادات وتوابعه وزلزال 1992 وآثاره الكارثية المدمرة وترهل حكومة حسني مبارك وعدم التفاتها إلى الملف من الأساس، وبعد النظر في حياة فصيل من المجتمع المصري يسكن العشوائيات، يتبدى لنا لماذا تصبح هناك حتمية للاصطدام مع السلطة.

في الواقع، إن سكان العشوائيات ينظرون لأنفسهم على أساس أنهم ابن عاق للنظام والسلطة، ففي العالم الثالث الحضري، يخشى الفقراء من الأحداث المهمة ورفيعة المستوى التي تدفع السلطان إلى شن حروب جهادية من أجل تنظيف المدينة، إن سكان العشوائيات يعرفون سلفاً أنهم القذارة أو الوصمة التي تفضل الحكومات ألا يراها العالم، وفي الوقت الحالي أصبحت الحكومات أكثر استعداداً لتحسين المنظر عبر تجريد وإزالة العشوائيات والدفع بسكانها إلى خارج المدينة أو تحجيمهم داخلها.

مدن الصفيح الساخنة

عرفت مصر في السبعينيات مظهراً مميزاً للسكن العشوائي تمثل في مدن الصفيح التي أحاطت بالقاهرة، وقد لاحظ الباحث نزيه الأيوبي ملاحظة هامة نتيجة لاطلاعه على الوثائق الحكومية حين وجد أنه في معظم الاضطرابات التي واجهها النظام المصري في السبعينيات والثمانينيات بدايةً من انتفاضة الخبز 1977 ومروراً بصدامات الإسلاميين المتكررة مع النظام بدءاً من اغتيال السادات، أن العدد الأكبر من المعتقلين السياسيين نتيجة الشغب والتخريب كانوا أبناء تلك المناطق النائية في القاهرة، بعد الصعيد.

في عقد السبعينيات، وجهت الدولة موجة قامعة شرسة ضد الأحياء الحضرية الانقسامية أو المعادية للنظام، خصوصاً في أعقاب أحداث الغضب في أكتوبر/تشرين الأول 1977 في انتفاضة الخبز الشهيرة، حين هاجم القاهريون الغاضبون الرموز المنتصبة لبرجوازية الدولة المتخندقة المنصوبة أمامهم لنمط الحياة الفاخرة المرتبطة بالانفتاح مثل الفنادق الخمس نجوم والكازينوهات والعمارات السكنية وأقسام البوليس، وبعد ملء سجون مصر باليساريين والناصريين، صب السادات غضبه على عشوائيات “عشش الترجمان” في حي بولاق أبو العلا، بوصفها مصدر ما وصفه بانتفاضة الحرامية بقيادة الشيوعيين، وأخبر الصحافة الأجنبية آنذاك بأن المنطقة كانت عشاً بالمعنى الحرفي للكلمة للتأليب على نظام الحكم، حيث يختفي الشيوعيون ويستحيل الوصول إليهم نظراً لضيق الشوارع التي استحال معها استخدام سيارات الشرطة.

رئيس مصر الأسبق أنور السادات

وفي أعقاب ذلك، أراد السادات أن يتم إعادة تخطيط مركز المدينة لتسمح بمزيد من السيطرة الفعالة والحكم الشرطي، وقد تم تقسيم سكان “عشش الترجمان” الموصومين إلى فئتين، وطردوا إلى قسمين مختلفين من أطراف الحضر، بينما أصبح حيهم القديم مساحة لانتظار السيارات، وطهرت منطقة بولاق أبو العلاء، في خطوة ساداتية طموحة جداً، ولكن لم يكن لدى السادات لا الوقت أو الموارد لتنفيذها فعلياً لإعادة بناء القاهرة باستلهام مدينتي لوس أنجلوس وهيوستن الأمريكيتين كما أحب.

ما لم يكمله السادات 

ما حلم به السادات ولم يكمله، وتفاقم في عهد خلفه مبارك حتى الانفجار الذي حدث في ثورة يناير/كانون الثاني 2011، استطاع النظام الحالي أن يتخذ خطوات متقدمة جداً في تغيير شكل المدينة، وتدجين العشوائيات.

تستمر الحكومة المصرية في مشاريع الإسكان سواء في العشوائيات أو مشاريع أخرى لشباب الطبقة الوسطى والدنيا، من خلال تسهيلات توحي للوهلة الأولى بأنها امتيازات لا يمكن لها أن يتم تعويضها، فتصل مدة السداد أحياناً إلى عشرين وثلاثين عاماً، وقيمة الإيجار هي قيمة رمزية إذا ما قورنت بأسعار الإيجار في مصر.

تسعى القوى السياسية لإعادة تنظيم البنية الأساسية في الحضر وحياة الحضر آخذة في الاعتبار القدرة على السيطرة على الجماهير المتمردة، وذلك النموذج ينتشر على نطاق عالمي واسع في الواقع، منذ الشوارع التي شقها المهندس الفرنسي هوسمان في باريس في القرن التاسع عشر في خضم الثورات الفرنسية والتي اعتبرت في وقت تنفيذها وسيلة للسيطرة العسكرية على المواطنين المتمردين، وفي الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها في أعقاب الانتفاضات الحضرية في الستينيات أعيد تصميم بعض المدن كبروكلين لوضع عوائق مادية كبيرة أشبه بخنادق على الطرق السريعة في وسط المدينة والأحياء المفقرة داخلها، وقد لفتت النظر أحياء الفافيلا في عاصمة البرازيل التي يسكنها الفقراء إلى ضرورة إعادة تخطيط المدينة من جديد والقضاء على تلك الأحياء لتجنب صدام طبقي عنيف مع سكان العاصمة الأغنياء، وهكذا بات من الواضح تاريخياً أن الحضر في الدولة الحديثة يؤدي دوراً كموقع مهم للعمل السياسي والتمرد، والسمات الفعلية للمواقع مهمة، وإعادة هندستها مادياً واجتماعياً، والتنظيم الإقليمي لهذه المواقع، وكل مقوماتها، يُستخدم كسلاح في الصراعات السياسية كما يراها الفيلسوف الماركسي البريطاني ديفيد هارفي.

يرى عالم السياسة جيمس سكوت أن كل الدول تشترك بسمات عامة، فهي كلها تسعى إلى السيطرة على مجتمعاتها، مما يعني أنها جميعاً تريد أن تجعل مجتمعاتها واضحة ومقروءة في المقام الأول، لهذا تسعى الدولة إلى إزالة الأحياء العشوائية التي تنمو عفوياً على شكل شبكات مكتظة من الشوارع والأزقة الملتوية، وتستبدلها بشبكات شوارع هندسية منظمة، وهنا يعود جيمس سكوت كهارفي إلى ذكر مثال هوسمان، فالشوارع العريضة المشجرة التي شيدها هوسمان على أنقاض باريس القرون الوسطى في القرن التاسع عشر، لم تبن ببساطة لأغراض جمالية فقط، بل لفكرة السيطرة على السكان في الذهن.

استطاعت الدولة المصرية إزالة العشوائيات بقدر كبير، واستبدالها بمدن جديدة مخططة بأشكال متشابهة، يغيب فيها التمايز الثقافي الاجتماعي لأي محافظة عن الأخرى، وكأنها مدن من نمط المدن الجامعية للطلاب المغتربين، ونجحت الدولة المصرية في إدماج سكان العشوائيات داخل بنية الدولة بفعالية، فبعد أن كان سكان تلك الأماكن العشوائية لفقرهم الشديد يعيشون على سرقة الماء والكهرباء من الحكومة، كما أنهم يعيشون في بيوت وعشش غير مرخصة البناء، استطاعت الحكومة أن توفر لهم مسكناً مجهزاً بشكل أفضل، مقابل انتزاع تلك السمة الأساسية التي ميزت حياتهم المجانية في السابق.

تستمر الحكومة المصرية في مشاريع الإسكان سواء في العشوائيات أو مشاريع أخرى لشباب الطبقة الوسطى والدنيا، من خلال تسهيلات توحي للوهلة الأولى بأنها امتيازات لا يمكن لها أن يتم تعويضها، فتصل مدة السداد أحياناً إلى عشرين وثلاثين عاماً، وقيمة الإيجار هي قيمة رمزية إذا ما قورنت بأسعار الإيجار في مصر.

من خلال ذلك الربط طويل الأمد بين المالك وشقته، تستطيع الحكومة أن تضمن انشغاله بمحاولة البقاء من أجل توفير إيجاره وقسطه وليس الإنفجار، يُذكرنا ذلك بقانون الإسكان الأمريكي في عام 1947 الذي نص على حق جميع الأمريكيين في العيش في سكن لائق في بيئة معيشية لائقة، حيث جرى الترويج لتملك المنازل على نطاق واسع باعتباره جزءًا محورياً في الحلم الأمريكي، وارتفعت نسبة مالكي المنزل إلى 60% في الستينيات وبلغت ذروتها في الألفية الجديدة حتى ضربتها أزمة 2008، في الواقع كانت الدولة قد رعت وروجت لتلك السياسات ودعمتها لسبب أساسي وهو أنه قد لوحظ في ثلاثينيات القرن العشرين أن أصحاب المنازل المرهونة لا يضربون عن العمل، أما المحاربون العائدون من الخدمة بعد الحرب العالمية الثانية فكانوا يشكلون تهديداً اجتماعياً وسياسياً، إذ عادوا إلى البطالة والكساد، وكانت أفضل طريقة لضرب عصفورين بحجر هي إنعاش الاقتصاد عن طريق مشاريع الإسكان الضخمة والتوسع الحضري في الضواحي، واستمالة العمال الأعلى أجراً عن طريق تمليكهم مساكن مرهونة بالدين.

الوظيفة السلطوية للمدينة

تعد العاصمة الإدارية الجديدة تجسيداً لتشكيل الدولة للمجتمع من أجل سهولة إخضاعه للسيطرة، كما أنها أيضاً ستشكل خندقاً وسياجاً للسلطة يحميها من الطبقات السائلة الغاضبة في العاصمة القديمة.

بينما تتميز المدن العريقة بالفضاءات الحضرية، نجح النظام في خنق تلك الفضاءات الحضرية وما تشكله من أهمية خاصة في المدن القديمة سواء في الإسكندرية أو القاهرة أو السويس، وغيبها تماماً من عاصمته الجديدة.

للفضاء الحضري وظيفة هامة فهو أحد المكونات الأساسية لعمران أي مدينة، وبمثابة الوعاء الذي يستوعب الحوادث الجماعية لسكانها، حيث يمارسون من خلاله نشاطهم واحتفالاتهم وشعائرهم ويُعبرون فيه عن آرائهم ومعتقداتهم وأسلوب حياتهم، كما أنه المكان الذي تولد فيه الثورات ويعاد صوغ مستقبل الشعوب.

أما المدن فتتخذ شكلها من شكل الكيان السياسي للمجتمع الذي يعيش فيها، فالمدن تولد مع المجتمع وما يدين به من مبادئ، وتساير تطور المجتمع في إطار تلك المبادئ، وتثور مع المجتمع في ثورته على المبادئ وتنحل مع انحلال تلك المبادئ، وهذا ما يجعل المدينة بمثابة قنبلة موقوتة في وجه الحكومات، أو وسيلة لتشكيل المجتمع وفرض السيطرة عليه، وهو ما شكل مفهوم الحق في المدينة والخلاف على هل هو حق للمجتمع أم الحكومة، وهو ما يجعل العاصمة الإدارية الجديدة مدينة من حق الحكومة وليست حق المجتمع.

أحد أفراد الجيش المصري يسير في العاصمة الإدارية الجديدةأحد أفراد الجيش المصري يسير في العاصمة الإدارية الجديدة (رويترز)

لاحظ عالم الاجتماع السياسي اللبناني جلبير الأشقر جانباً كلاسيكياً في البعد العسكري لمشروع العاصمة الجديدة، وهذا الجانب يتصل بنمط معروف جيداً تاريخياً، ألا وهو التغيير المكاني للمركز العصبي للسلطة تماشياً مع منطق استراتيجي مضاد للثورة، وهو ما لاحظه أخصائي البعد الاستراتيجي للعمارة ليوبولد لامبير الذي أكد على أوجه الشبه بين مشروع العاصمة العملاق والخطة الرئيسية التي أعدها جورج أوجين هوسمان لتغيير باريس جذرياً بعد انتفاضات 1853 و1870 التي يسرت التحركات العسكرية المناهضة لثورة كومونة باريس.

تحاول الدولة في المجتمع النامي أن تدير وتحتوي وتكبح ضمن أجهزتها النزاعات والصراعات الناجمة عن التوترات الاجتماعية التي تصاحب عملية التنمية، ولذلك تتقدم الشرائح الوسيطة لتكسب أهمية جامحة بصفتها قاعدة اجتماعية لقوة الدولة، ولتحتل مجالاً استراتيجياً في اقتصاد وسياسة بلدانها.

يرى لامبير أنه بالرغم من سيطرته الكاسحة فإن الجيش يعتقد أن السيطرة على نسيج مديني أيسر تنفيذاً حينما تتم من المنبع أي في مرحلة تصميم المدينة، حيث ستكون السيطرة العسكرية جزءاً كاملاً من أجندة بناء المدينة، سواء كان الأمر منصوصاً عليه أم مضمراً في التفاصيل، ومن خلال جمع الكيانات الحكومية والقنصلية والاقتصادية للقاهرة، فمن المرجح أن تزيد تلك العاصمة الجديدة من التشتت الاجتماعي للمدينة، سواء انطوت على درجة ما من الخصخصة أو لا، والقاهرة كغيرها من المدن العالمية الرئيسية تستخدم المسافة أصلاً كوسيلة للفصل الاجتماعي، فنقل الطبقات الاجتماعية الوسطى والعليا لخمسين ميلاً أخرى هي وسيلة من وسائل السيطرة.

والتكوين المادي نفسه للمدينة الجديدة ذاته يكاد يسهل تنفيذ السيطرة على حيزها بالمقارنة بالمهمة نفسها في سياق مدينة تاريخية عريقة ذات ألف سنة، ويعود سبب ذلك إلى ممارسة التصميم المعماري ذاته، فالخطة الرئيسية لبناء المدينة تتوقع طريقة التنظيم المكاني للأجساد التي تحيا في المدينة، وهذا ما يؤكده المعماري محمد الشاهد في ملاحظته عن المدن المعسكرة، حيث يلاحظ أن الخطة الرئيسية للعاصمة الجديدة لا تتضمن أي ساحات عاملة مفتوحة لحرمان الجمهور من إمكانية وجود ساحة مفتوحة واسعة كمثل تلك التي وجدت في 2011، فعسكرة الحيز المديني تبدأ على ألواح الرسم المعماري، وبهذا المعنى تكون العاصمة الجديدة رداً حكومياً للسيطرة يقف في وجه مثال ميدان التحرير.

ولأن العاصمة الإدارية بمؤسساتها الكبرى ستشغلها مجموعة من الموظفين الذين ينحدرون من طبقة وسطى، قدمت الحكومة المصرية مدينة بدر المحاذية للعاصمة الإدارية لتؤدي دورها السكني الذي يتبع شروطاً مشابهة لشروط العشوائيات، التي تسعى إلى ربط المواطن ومصالحه بالنظام ورؤيته.

إن قوة النظام الحالي لن تتشكل من برجوازية متخندقة في العاصمة الإدارية الجديدة فقط، ولكنها ستستمد ثقلها الرئيسي  من الشرائح الوسيطة المهمة، التي سترتبط مصالحها بتلك العاصمة، ليس لحجمها وثقلها النسبي فقط، بل كذلك لحراكها الاجتماعي العالي والارتباطات التكافلية التي توحدها، فالطبقة الوسطى الجديدة التي ستنشأ في ذيل الحكومة أو البرجوازية البيرو-تكنوقراطية كما يسميها نزيه الأيوبي، المتكونة من ضباط جيش ومديرين وإداريين وأساتذة جامعات وتكنوقراط، هي الطبقة الأهم لشرعنة أي نظام.

تحاول الدولة في المجتمع النامي أن تدير وتحتوي وتكبح ضمن أجهزتها النزاعات والصراعات الناجمة عن التوترات الاجتماعية التي تصاحب عملية التنمية، ولذلك تتقدم الشرائح الوسيطة لتكسب أهمية جامحة بصفتها قاعدة اجتماعية لقوة الدولة، ولتحتل مجالاً استراتيجياً في اقتصاد وسياسة بلدانها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى