مدونات

“بقية” في إسبانيا..محمد صادق مكي

قل “بايّه” ولا تقل “بايلا”، والصحيح أنها “بقية”! هكذا أفهمني صديقي. هي أكلة إسبانية شهيرة يقبل عليها السائحون، ويرجع منشؤها إلى مدينة بلنسية. وهناك روايتان وربما أكثر، عن أصل الاسم، والأشهر أن الكلمة من أصل عربي، إذ يرجع تاريخها لأيام الحكم الإسلامي في الأندلس، فقد كان الموسرون يقيمون الولائم ثم يأخذون “بقية” الطعام ويعطونه للفقراء، وحين اختلط الطعام من لحم ودجاج وسمك وأرز وخضروات أعطى مذاقا مختلفا اعتاد عليه الناس وأحبوه وصاروا يصنعون هذه الأكلة خصيصا وتفننوا في إعدادها بأشكال مختلفة لكنهم نطقوا اسمها بلسانهم بايّه Paella.

فوجئت بالكلمة تسيطر على عقلي وترسم حدود الأشياء أمام عيني، وحيثما يممت وجهي في مدن الأندلس وحتى في العاصمة الإسبانية مدريد وجدت الكلمة أمامي ماثلة في كل معلم وأثر ومتحف وحتى في وجوه الناس. عجيبة هذه الكلمة “بقية”..

تتذكر كلمة “البقية” وأنت تتطلع إلى أعمدة بديعة تعلوها أقواس على شكل حدوة الحصان مخططة بألواح متلاصقة حمراء وبيضاء بديعة اللون والشكل تذكرك بالمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأموي في دمشق، فتخال أنك في أحدهما، ثم تنبهك أنك في كاتدرائية قرطبة أجراسٌ ورسوم مسيحية ملأت الجدران القريبة من المحراب الذهبي الذي تعلوه آيات القرآن الكريم، فتعلم أن تلك الأقواس وذلك المحراب ليسا إلا “بقية” جامع قرطبة الكبير. تتراءى لك الكلمة وأنت تتجول داخل بقية من قلاع وقصور وأبراج في طليطلة وقرطبة والزهراء وأشبيلية وفي الحمراء في غرناطة وغيرها.. تشي البقية هنا بمهابة دولة كانت من أقوى دول العالم..

حدائق ذات بهجة تحيط القصور.. حدائق كثيرة ونوافير متعددة المستويات.. رتبت هندسيا لتسر الناظرين ولتنتقل المياه من كل مجموعة منها إلى الأخرى مخلفة خريرا يسكب سكينة في النفس، وأحواض يتجمع فيها الماء لتعكس صفحته صورة لبرج من القصر فتزيده مهابة. بالتأكيد تغير بمرور السنين شكل الحدائق والمزروع فيها وبدرجة أقل النوافير لكن كثرتها لا تزال تكشف ربما أن كثيرا ممن سكنوها أتوها من صحراء قليلة الزرع شحيحة الماء.

ترى أيضا “بقية” فنون جُمعت أطرافها من المغرب وتونس ومصر والشام والعراق وأضيف لها لمسة متفردة من صانعها البارع.. هي بقية من نقوش ومقرنصات ونوافير ومشربيات ونوافذ وقصائد غزل وموشحات حزينة تبين أي رقي وأي ذوق بلغته هذه الدولة حين كانت شوارعها مضاءة بينما أوروبا غارقة في الظلام. وهنا “بقية” من ذوق عربي لا يزال مفروشا في شوارع وحواري وأزقة حي البيازين بمحاذاة قصور الحمراء. و”بقية” من أشجار برتقال وليمون ونارينغ تكاد لا تخلو منها جوانب الشوارع في قلب المدن الأندلسية ليفوح عطر ثمارها فيبهج السائرين.

ثم تطالع “بقية” من علوم وأدوات طبية ونظريات علمية وأفكار وفلسفة بين جدران متاحف وكتب. بل لعلك ترى هذه “البقية” في ملامح فتاة ضمن فرقة كنسية تنشد ترانيمها في أحد ميادين مدريد، يشي لون بشرتها القمحي وسواد شعرها أنها ربما من أحفاد أندلسي غير دينه تحت وطأة تعذيب إحدى محاكم التفتيش قبل قرون. كل ذلك “بقية” تشهد أن هنا كانت حضارة عظيمة غربت شمسها ولم تشرق ثانية..

نقلا عن مدونة الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى