مدونات

بلاد الخوف التي تكسرنا..غسان أبو العدوس

هكذا رسم كافكا محاولته في التواصل مع الأشياء التي لا يمكن تفسيرها. في هذا النص الذي تنساب منه كل المعاني المؤدية إلى حب الانتصار على المستقبل المظلم وعلى الواقع المؤذي للبشرية وللروح المكسورة التي تزاحمها الحياة وتخنقها أكثر وأكثر..

“أحاول باستمرار التواصل مع شيء لا يمكن إشراك الغير فيه، لشرح شيء لا يمكن تفسيره، ولأتحدّث عن شيء أشعره أنا وحدي في عظامي ولا يمكن لأحد آخر أن يحس به. من حيث الجوهر، هو ليس إلّا هذا الخوف الذي تحدّثنا عنه غالباً، لكنّ الخوف ينتشر ليصل إلى كل شيء، الخوف من الأمور الكبيرة كما الصغيرة، والخوف من العجز عن نطق كلمةٍ واحدة، على الرغم من أن هذا الخوف قد لا يكون مجرّد خوف، بل توقٌ إلى شيءٍ أكبر من كل ما هو مخيف”.

أتوق للحياة بالقدر الكافي لأبقى أنتصر على هذا الخوف بكل الأداوات التي أمتلكها ولكي تنتصر على خوفك من أي شيء عليك فقط أن تبتسم لبائعة الورد على قارعة الطريق وأن تنحني أمام العجوز بائعة البقدونس في السوق وأن تعانق المكسورات تحت وطأة ليل المجتمع الذي ينهشها وأن تقول أجمل ما قيل في الشعر للغرباء. وأن تلعن كل الحكومات والديكتاتوريات التي أوصلتنا لما نحن عليه من تلبد حتى في مشاعرنا وفي قول لا في وجه من قال نعم.

لكي تنتصر على الخوف كل ما عليك فعله هو أن تعانق حبيبتك تحت غيمة مليئة بالمطر. ذلك المطر الذي يغرق البلاد ويكون لعنة على قاطنيه الفقراء فلتصنع من هذا المطر معجزة تغلف بها ما تبقى من روحك لكي لا تنكسر ولكي لا تسقط في دائرة الخوف التي سوف تخنقك لا محالة كلما سقطت فيها أكثر! هكذا ننتصر على الخوف بالحب ولا شيء سوى الحب وبالشجاعة المصحوبة بقوة الحب الذي يتملكنا فلا تخف أبداً من أن يكون تحت الأزهار أفعى ففي رواية الأبله لدوستفيسكي كان يقول: “ظل يخشى أن يكون تحت الأزهار أفعى”.

لذلك هنا في هذه البلاد المليئة بالفاسدين وبالكاذبين والمارقين إذا أردت أن تستمر دون خوف كل ما عليك فعله أن تبقى معزولاً متمسكاً بكل ما ذكرته سابقاً حفاظاً على ما تبقى من جمالك وجمال مبادئك التي لا يمكن أن تساوم عليها فهذه البلد أصبحت تضيق علينا كلما ابتسمنا والغيوم السوداء تملأها حتى المطر أصبح فيها أسوداً لا يمكننا سوى الإختباء منه والهروب منه بإرتكاب الخطايا التي تجعل لوننا أسود كغيوم هذه البلاد ولكي تتشابه عليها ألواننا ولا تكسرنا أو تمزقنا أكثر مما نحن عليه من تمزيق لأرواحنا، هذه البلاد تخنقنا حد الكفر بكل شيء فهذا الوطن كافر بكل ما تعنيه الكلمة لذلك من الحقيقة والواقعية أن نشعر بالخوف دوماً من القادم دون أن نعلم ما هو وإلى أي الطرق ستذهب بنا هذه السفينة المهترئة التي لا تجد ربان ماهر في قيادتها..!

الواقع بكل تفاصيله يجعلنا نذهب للهاوية ونشعر بهذا السقوط الكبير الذي يكون من على حافة أعالي الجبال هذا السقوط المليئ بالخوف والمليئ بالإنكسار هذا الانكسار والخوف أصبح يتسرب في مسامات جلدنا بعد أن كان غير موجود فهذا ما يقلق قلوبنا وأرواحنا أن نستيقظ يوماً ما دون حبيباتنا وأرواحنا ومشاعرنا وأن نكون قطيع يقودنا الراعي بحبال طويلة ويغلق علينا حظيرته دون أن نطلب منه حتى الماء لنشرب! خوفنا ما هو إلا هروبنا الأخير من المواجهة ولكي نحترم كل ما نشعر به من قوة وحب وجمال لمن هم حولنا علينا فقط أن نواجه فالعاقبة واحدة ولا نلتفت لدائرة الخوف التي تخنقنا وتغرقنا في قبها الأسود

نقلا عن مدونة  الجزيرة

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى