مقالات مختارة

“بلحة” في جمعية الرطان الأممي.. جمال الجمل

(1)
رحلة الديكتاتور الرائع في الملذات الآمنة..

إذا كنت ممن يفضلون قراءة العناوين وفقط، يمكنك الاكتفاء بهذه الجملة السيريالية كملخص لرحلة السيسي إلى أمريكا، حيث التقى راعيه الأهوج دونالد داك، كما ألقى خطبة حكيمة بطريقته الركيكة في المطالعة. ولم تقف الركاكة عند قصور معرفته بقواعد النحو وتشكيل نهايات الكلمات، ولا عند مخارج الحروف ولا التلعثم في نطق المصطلحات، لكن ركاكته جعلت ملاذات الإرهاب “ملذات آمنة”.

(2)
لن أشغلكم بتفاصيل رحلة “أليس..يسي في بلاد العجائب”، فقد أسرفت الإخباريات في عرضها، لكنني (وسامحوني على هذا التنطع) سأتناول تحليل مضمون الكلمة التي ألقاها السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسوف أحاول بقدر ما أستطيع أن أتنقل بين الخفة والثقل، بين الجدية والفكاهة، بين اللقطة السريعة والتحليل المعلوماتي الرصين، وأدعو الله ألا يصيبكم الملل، أو تخنقكم الأكاذيب الممجوجة.

(3)
لا توجد لدي مآخذ كبيرة على الكلمة في رسالتها الظاهرية، فهي رطان نظري يتم إعداده مسبقاً من جانب مؤسسات الكلام، وما على الرئيس إلا إبلاغه للعلن بما تيسر من قدرته على القراءة، لا سيما وأن الترجمة الفورية كفيلة بتغطية عيوب النطق أمام الأجانب، وبدون ترصد في اصطياد الملاحظات الشكلية عن طريقة المشي والجلوس وسر النظرة الغريبة للأسقف، فإن أبرز ملاحظة تستحق التسجيل هي:

– توقف السيسي (أو نسيانه) ترديد هتاف تحيا مصر ثلاث مرات في نهاية كلمته، وهي بالطبع ملاحظة شكلية كما قلنا، لكنها قد تحمل دلالة عميقة تعبر عن حالته النفسية هذه الأيام، أو تكشف نقص هرمون الفخر الفشخوري في عروقه السياسية.

– الملاحظة الثانية، جهل الرئيس بما يقرأ، فهو ينطق “الفاعلين الإقليميين والدوليين” بصيغة المثنى لا الجمع، ولا أعرف كيف فهمها أو نطقها! والأفدح أنه نطق اسم منتجع “إيزولويني” بالواو، على هذا النحو “أوزوليني”، وإذا أخذنا في الاعتبار أن السيسي يقدم نفسه في هذه الكلمة كزعيم إفريقي، ويتحدث عن اجتماع فاصل قررت فيه أفريقيا بالإجماع الضغط من أجل انتزاع مقاعد لها في مجلس الأمن، أسوة بالقارات الرئيسية في العالم، فإنه من العيب أن يخطئ الزعيم الأفريقي في نطق اسم المدينة (وسط سوازيلاند) التي ارتبطت بمطلب إعادة هيكلة المنظمة الأممية على أسس قارية عادلة، كما قال السيسي في كلمته، من دون أن يدقق أو يفهم تفاصيل الإجماع الأفريقي المتعثر منذ 14 عاماً، والذي يعيد طرحه على سبيل اللغة وحشر أكبر قدر من القضايا والرطان الفارغ الذي ينتهي بانتهاء مجلس الكلام!

الملاحظة الثالثة تتعلق بهوس معد الخطاب بالحتميات، فقد تكررت الكلمة أربع مرات. وهذه الملاحظة تصلح كمدخل لمناقشة مضمون الكلمة والتناقضات العميقة الكامنة فيها، بين مظهر قانوني وديمقراطي متعاون بليونة مع المجتمع الدولي، وجوهر دكتاتوري حتمي منغلق يسعى لتنحية المراقبة الدولية لأداء الدول العشيمة داخل حدودها، ليتوفر لها مناخ قمع وتنكيل بأقل درجة من المساءلة الأممية، وهو ما أراده السيسي من وراء تكرار مصطلح “المِلكية الوطنية”. وقبل أن نبدأ في مناقشة بعض النقاط بالتفصيل، أوضح لكم مواضع حتميات السيسي على سبيل العلم والتفكير:

* جسامة التحديات التي يشهدها العالم تحتم علينا جميعا أن نفتح نقاشا معمقا.

* احترام مبدأ الملكية الوطنية للحلول هو أمر حتمي.

* اعتماد الحلول الشاملة لجذور المشكلات الدولية هو أمر حتمي.

* حتمية الحـل الشـامل للأزمـة الليبية، وحتمية الحل السياسي في سوريا.

(4)
لا أظننا بحاجة لنقاش حول سقوط الحتمية الأولى للسيسي، وهي حتمية الحوار لمعالجة التحديات. فالدكتاتور الرائع المفضل لترامب يؤكد في كلمته حتمية الالتزام بنظام دولي عادل، قوامه الحوار والتعاون، وإعلاء ثقافة السلام والاحترام المتبادل.

هل شاهده أحدُ منكم يلتزم بشيء من هذا في بلاده؟!

إذن فلنناقش الحتمية الثانية التي يطالب فيها العالم بحتمية “احترام مبدأ الملكية الوطنية للحلول، لضمان فاعلية منظومة العمل الدولى متعدد الأطراف”..

ماذا يقصد طبيب الفلاسفة، كاره التنظير المتنصل من السياسية (أنا مش سياسي.. هيء) بهذه العبارات الطنانة؟

يقصد تمرير المبدأ الديكتاتوري العتيق: شعبي وأنا حر فيه.. أفرده وأتنيه.. اغسله واكويه.. أحبسه وأخفيه، والعالم يجب أن لا يتدخل في هذه الحلول الوطنية؛ لأنها اختراع خاص في دولة اخترعها هو ويملك حقوق الملكية الفكرية لاختراعه!

المضحك المبكي أن طبيب الفلاسفة يقول هذا الكلام تحت سقف منظمة أممية المفروض أنها ترعى المواثيق العالمية المتعلقة بحقوق الإنسان، لكن “الدكر” يواصل إبهاره للعالم، ويخلط بين الشؤون الداخلية المتقلصة للدول في إطار العولمة، وبين معايير الحقوق والمواثيق الأممية التي لا تعترف بحدود الدول واختراعاتها الخاصة، ثم يذهب في الخلط لأبعد من ذلك، معتبراً أن إملاءات صندوق النقد مثلا “حلاً وطنيا” أدى إلى إصلاحه الجريء، ويتعمد حشر جهوده في مكافحة الإرهاب وتقديم نفسه كجندي مرتزق يحارب في هذه المعركة من أجل العالم كله.

(5)
في حديثه عن جهوده لحل المشاكل الأفريقية، يتحدث كثيرا عن المصير المشترك للقارة، وعن ضرورة إعادة بناء الدول في مرحلة ما بعد النزاعات، ويطلب رفع السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، تقديرا للتحـول الإيـجابي في نظام الحكم الانتقالي الجديد، ولمساعدته على التطور، ثم ينسى سريعاً “موال الملكية الوطنية”، ويدعو المؤسسات الدولية والإقليمية لتمويل التنمية في أغنى قارات العالم بالموارد!

ولعل المتابع يدرك بوضوح أن السيسي يبذل جهدا كبيرا لصالح الأجندة الأمريكية والغربية في هذا الاتجاه الكمبرادوري، الذي يمهد الطريق لنهب ثروات أفريقيا، وهو ما ظهر بفجاجة خلال العام الجاري في “قمة السبع” بفرنسا و”قمة تيكاد” في اليابان، وقبلهما قمة شرم الشيخ، حتى أن طرحه لأزمة تعثر المفاوضات مع إثيوبيا بشأن سد النهضة لم تحترم حتمية ملكيته الوطنية للحلول، وناشد المجتمع الدولي التدخل، ونحن نعرف الحل الدولي الجاهز الخاص ببيع المياه والكهرباء والتعويضات التي أعلن عنها البنك الدولي وبعض المؤسسات لتعويض مصر عن تبوير أراضيها وتحويلها إلى “ناقل للمياه” و”معبر للكهرباء”، في شرق أوسط تتحول فيه الدول إلى أسواق ومناطق مفتوحة للتجارة، وساعتها لا مكان لحلول وطنية ولا دياولو.

(6)
كما قلت الخطاب على مستوى الشعارات المعلنة يبدو جيداً إذا صدقت النوايا، فقد كرر تمسك مصر بحل القضية الفلسطينية على أساس الدولتين مع التأكيد على القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين المنقوصة، وهذا الالتزام ينسف السيناريوهات المتداولة عن صفقة القرن، لكن إلى أي حد يمكن تصديق مسؤول تعهد من قبل بعدم الترشح والعمل بالسياسة، ثم تحول إلى رئيس مزمن لا يسمح لغيره بالاقتراب من كرسي السلطة؟!

(7)
حتى لا أطيل أكثر، أنبه إلى أن بقية القضايا المتعلقة بحل الأزمة السورية والدعوة للخروج من المأزق اليمني، والمعالجة الشاملة للحالة الليبية، كل ذلك توجه جيد في ظاهره، لكنه في الجوهر يكرس خللاً إقليميا تتغاضى فيه مصر عن اعتبارات أمنها القومي، وتلعب لعبة خطرة لصالح أطراف إقليمية لها أجندات مريبة في ليبيا واليمن والسودان وسوريا. وبالتالي، فإن السيسي يغمز في حديثه على دول مثل تركيا وإيران وقطر، ويقدم دعما (مدفوع الأجر) للسعودية والإمارات ومن يقف خلفهما. وقد تبدى ذلك في حديثه عن “هجوم أرامكو”، بينما لم يذكر (ولو عرضاً) حالة الدمار التي صار عليها اليمن بسبب هجمات حلفائه. وفي معرض حديثه عن تهديدات الملاحة قرب باب المندب، لا يخجل مما فعله بالتنازل عن تيران في الشمال، ويكاد يشير إلى إيران من بين عشرات الدول (غير العربية) التي تتواجد بأساطيلها وبوارجها في خليج عدن ومياه القرن الأفريقي منذ سنوات طويلة.

وأخيرا (لمن يحبون الاختزال)، يمكن وصف كلمة السيسي في الأمم المتحدة بلفظة واحدة:

“بلحة”..

بما يعني أن ظاهرها جيد، وباطنها يكسر الأسنان.

نقلا عن عربي21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى