مقالات مختارة

بيع الوهم وزراعة الانتماء في مصر.. عزالدين الكومي

تقدمت فايقة فهيم، إحدى نائبات برلمان “علي عبد العال”، بطلب إلى وزير التربية والتعليم، في حكومة الانقلاب، تطالب فيه بأن يستبدل بالزي المدرسي للطلاب الزي المُموّه؛ تشبّها بالزي العسكري لأفراد “عسكر كامب ديفيد”، بزعم زرع الانتماء.

وأشارت إلى أهمية تربية النشء والشباب على القيم والمفاهيم الوطنية، وغرس حب الوطن والانتماء إليه في نفوسهم وتهيئتهم حتى يكونوا مستقبلا نواة لقيادة بلادهم والانطلاق بها. وأكدت على ضرورة تربية أبنائنا على حب الوطن وحب الانتماء إليه وشرف الدفاع عنه وعن مكتسباته الوطنية، والتصدي لكافة محاولات استهداف الهوية الوطنية وطمس معالمها وتشويهها وتزييف وعي النشء.

والسؤال لهذه النائبة المغيبة: متى كان الانتماء يُزرع بالأزياء والأناشيد والتطبيل والتهليس والتهييس؟ أو يُزرع بالأغاني الهابطة التي تحض على العنصرية والكراهية وتقسيم الشعب إلى شعبين؟ ثم كيف يُزرع الانتماء في نفس مواطن يشعر بالغربة في بلده؟!!

إن هذا النوع من الولاء والانتماء الزائف، هو الذي أوجد فئات من المطبلاتية والمرتزقة المتسلقين والمتطفلين، الذين يعتقدون أن الولاء والانتماء هو التطبيل لكل ما تفعله قيادة العسكر الانقلابية، وجلاوزة الشرطة، حتى لو كان ببيع الأرض والعرض، ومقدرات الشعب ونهب ثرواته، وتوزيع صكوك الوطنية!!

وقد كانت وزارة التربية والتعليم بحكومة الانقلاب، في آذار/ مارس 2018، قد أصدرت تعميما من خلال رضا حجازي، رئيس قطاع التعليم العام، بإذاعة نشيد الصاعقة المصرية “قالوا إيه”، وذلك دون موسيقى، في جميع المدارس يوميا من خلال طابور الصباح، وكذلك أثناء الفسحة.

وقالت الوزارة إن تعميم إذاعة نشيد الصاعقة “قالوا إيه” في المدارس هدفه غرس قيم المواطنة، وبث روح الولاء والانتماء لدى الطلاب.

كما أن وزيرة صحة الانقلاب، أصدرت قرارا تم تعميمه على جميع مستشفيات الجمهورية، بإذاعة السلام الجمهوري ثم يعقبه قسم الأطباء يوميا، عن طريق الإذاعة الداخلية بكل مستشفى، لتعزيز قيم الانتماء للوطن لدى المرضى والأطقم الطبية في المستشفيات.

الانتماء يا سادة، لا يتأتى بالشعارات والأغاني الوطنية، وإنما يأتي بمشاركة المواطن المطحون، في بناء بلده سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فالمواطن هو ثروة الوطن الحقيقية.

ثم عن أي انتماء وولاء تتحدثون؟ هل تتحدثون عن الانتماء المزعوم الذي يمكن أن يحدث من خلال تغيير الزي المدرسي، وأن يستبدل به زي العسكر المموه، والمواطن يعيش حالة حقيقية من الغربة، بسبب ترميز التافهين واعتبارهم قدوات ومثلا عليا في المجتمع، في وطن سليب الإرادة، منذ سبعة عقود بعد أن اغتصبته عصابة العسكر؟

من أين يأتي الانتماء لوطن تبنى فيه عشرات السجون والمعتقلات، ولم يبن في المقابل مستشفى أو جامعة أو مركز للبحث العلمي؟!

وطن يموت فيه المواطن يوميا، في القطارات والطرقات، وفي المعتقلات، وفي البحر وفي المستشفيات نتيجة الإهمال وعدم الاكتراث، أو نتيجة الظلم والقهر والاعتداء.

المواطن اليوم فقد انتماءه، وأصبح يردد أشعار إيليا أبي ماضي، بلسان حاله ومقاله، فيسير في طريق الإلحاد والمروق واللامبالاة، والإدمان والانحراف:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حر طليق أم أسير في قيود؟

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود؟

أتمنى أنني أدري ولكن …

لست أدري!

وطريقي ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟

هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور؟

أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير

أم كلانا واقف والدهر يجري؟

لست أدري!

وكانت النتيجة ما نراه ونسمعه من خلال إعلام مسيلمة الكذاب، من حوارات مع الملحدين والمارقين. هل تنتظرون من هذا الجيل ولاءً وانتماءً وأنتم سبب شقائه وبلائه؟

الانتماء الحقيقي لا يكون بالزي المموه، كما تريد نائبة حَمَلة المباخر وأمثالها ممن لا يشعرون بالخشب في العيون، ويقتاتون على آلام المقهورين من أبناء الشعب.. إن الولاء الحقيقي يكون بغرس القيم في نفوس الناشئة والمواطنين، وهذا يقتضي بيئة داعمة ومناخ مناسب يشعر فيه المواطن بالأمان، وبالحياة الكريمة التي تصان فيها كرامته، ولا يتعرض للامتهان، ولا يشعر بالطبقية والتمييز، ويستطيع أن يحصل على حقه في أي وقت ومن أي شخص، لأن هناك عدلا ومساواة.

كما يساعد في تنمية الولاء تنظيم النشاطات العملية الهادفة للطلبة، والمشاركة في طرح حلول لمشكلات المجتمع، خاصة الاجتماعية منها، وليس بمؤتمرات للشباب تنظمها جهات أمنية!!

إن من يزرع الوطنية وحب الوطن والانتماء في النشء والشباب ليست الشكليات المتمثلة في الزي المموه، ولا النشيد الوطني، ولا “قالوا إيه”، ولكنها التربية في البيت والمدرسة والمناخ العام أو البيئة الحاضنة.

فالبيت يولي اهتماما لتربية الطفل على حب الوطن والانتماء له، عندما تكون الأسرة مستقرة ولا تشعر بالغربة، وعندما يتوفر لها سبل العيش الكريم، كما كانت شعارات ثورة يناير: عيش حرية كرامة إنسانية، أما عندما يرى الطفل معاناة والديه اليومية، في كسب قوت يومهم، فسوف يتولد لديه إحساس بالغربة والإحباط، ويسعى للبحث عن وطن بديل، يوفر له ما يريد من الراحة والطمأنينة؛ لأن وطنه خذله كما خذل الملايين من أمثاله، مع أنه يردد: بلادي وإن جارت على عزيزة، وأهلي وإن ضنوا على كرام!!

عندما يرى من وطنه مزيدا من التشرد والمآسي والأزمات وطوابير البطالة والأمراض والأوبئة والجوع والتهميش والتنكيل وتكميم الأفواه، حتما سيشعر بأنه بلا وطن، ولا يجد إحساساً بالانتماء له أو الغيرة عليه، وسيبحث عن وطن آخر يحقق له أحلامه!!

أما المدرسة فقد فقدت دورها في غرس الانتماء فهل المناهج الدراسية التي تقدم “بانجو” على أنه بطل قومي، تزرع الانتماء في نفوس الطلاب؟ والمعلم الكسير الذي يكافح من أجل لقمة عيشه ويشعر بالظلم والغبن؛ يمكن أن يزرع هذا الانتماء فيمن يربيهم ويعلمهم؟ والفصول المكتظة التي تشبه “علب السردين” والطلاب الذين يفترشون الأرض، من أين يتأتى لهم؟!

لذلك ستظل الرؤى والأحاديث المزيفة عن الانتماء، قاصرة وعاجزة في غرس وتعزيز قيم الولاء والانتماء في نفوس الطلاب وأجيال المستقبل.

نقلا عن عربي21

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات