مدونات

تجربة ذاتية بين قسيس ومتعصب ومسلم

ياسر كمال الغرباوي

سافرت إلى السودان في مهمة تتعلق بإعادة بناء السلام في إقليم دارفور، فمكثت في العاصمة الخرطوم عدة أيام قبل الانطلاق إلى غرب دارفور، وفي ذات صباح قررت الخروج من الفندق مع تباشير الصباح لصلاة الفجر في أي مسجد خارج الفندق، فخرجت من بوابة الفندق والظلام الدامس يضرب بأطنابه على كل الحى المحيط بالفندق، ولكنى لمحت نورًا متوهجا من بعيد على قرابة نصف كيلو متر فبدا لي أنه نور مئذنة مسجدٍ، خاصةً وأن حارس الفندق قد أشار لي أن المسجد في اتجاه هذه الأنوار، فتحركت نحو هذا المكان المُضىء، وكانت المفاجأة عندما اقتربت من المبني فوجدته مكتوبًا عليه “كنيسة السيدة العذراء مريم بالخرطوم” وليس مسجدًا!

اقتربت من حارس الكنيسة بلطف وقلت له هل يوجد مسجد قريب من هنا؟، فقال لي اتجه يمنيًا وسر لمسافة ربع ساعة وستجد أمامك مسجد الملك فاروق على يسارك، فذهبت إلى هناك وفعلًا وجدت المسجد وصليت الفجر، وبعدها قررت العودة من نفس الطريق الذي سلكته على غير عادتى، وحينها كان نور الصبح قد ملاء المكان، فاقتربت من الكنيسة مرة أخرى، فوجدت قسيسًا ينزل من السيارة لدخول الكنيسة، فألقيت عليه السلام، فرد على السلام، فعلمت من لهجته أنه مصري.

دار بينى وبينه حوار سريع اتضح منه أن هذه الكنيسة تابعة للكنيسة القبطية المصرية، وأنه جاء يخدم فيها مرسلًا من مصر، فطلبت منه أن أدخل الكنيسة وأحضر معه قداس الصباح؛ فوافق مشكورًا فدخلت وجلست بين الحضور أسمع وأرى وسط جو من الخشوع والتبتل والصلوات المهيمن على أجواء المكان والذي حوى أطفالًا صغارًا قدموا للكنيسة بالزي المدرسي قبل الذهاب للمدرسة، ونساءً ورجالًا بدا لي أنهم حرصوا على حضور هذا القداس قبل الذهاب لأعمالهم، واستمر القسيس وفريقة القائم على القداس في تلاوة الترانيم والدعوات والأناشيد ونثر البخور والعطور في المكان.

وبطبيعة الحال لم أفهم معظم ما يقال على وجه الدقة والوضوح فهذه أول مرة لي أحضر قداسا في كنيسة أرثوذكسية، وفي أول الأمر توقعت أن يكون القداس عشرة دقائق أو ربع ساعة، ولكن الأمر طال ودخلنا تقريبا في نصف ساعة ويزيد، وكلما مر الوقت ازدحم المكان وزاد عدد الحاضرين! وأنا أصلا لا أطيق الصلاة في المساجد التي تطيل في خطبة الجمعة التي أفهم لغتها فكيف لي أن أصبر على قداس لا أفهم لغته كاملة!

فقررت الانسحاب بلطف مستخدمًا أحد الأبواب الجانبية للكنيسة فخرجت سريعا وبدون ضجيج متجها إلى فناء الكنيسة، وفي هذه الأثناء وجدت شابًا قوي البنية، أسود البشرة يركض خلفي ينادي على بشكل حاد، فتوقفت والتفت إليه؛ فقال لي أنت مصري؟ فقلت له: نعم، ثم قال أنت مسيحي؟ فقلت له: لا أنا مسلم، عندها اشتط غضبا وأصبحت عيناه تدور من الغضب كالذى لدغه عقرب، وأمطرني بسيل من الأسئلة كيف دخلت؟ ومن سمح لك؟ ولماذا دخلت؟ الخ.

من الأسئلة الحانقة والحارقة؛ فحرصت على الاعتذار له سريعًا وعدم الدخول معه في نقاش قد يشغب على هيبة المكان وخشوع الحاضرين، والحمد لله خرجت من الكنيسة سالمًا. ولكن هذه الواقعة جعلتنى أقف مع نفسي متسائلًا هل كان خطأً منى طلب حضور القداس من الأساس؟ وهل سلوك هذا الشاب المسيحي يمثل جمهور الحاضرين أم أنه استثناء؟، ولماذا يبدو بعض القادة الدينيين عقلاء بينما العديد من أتباعهم متعصبين؟ ولماذا يغضب بعض المتدينين من حضور المخالفين لهم في الاعتقاد في دور عبادتهم ونسكهم؟ وهل سلوك هذا الشاب المسيحي له نظائر عندنا نحن المسلمين؟


نقلا عن مدونات الجزيرة 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى