مدونات

تفاصيل القرصنة السعودية على شبكة بي إن سبورت.. مدثر النور أحمد

فجأة وبدون سابق إنذار بعد أن اتخذ الرباعي «السعودية والإمارات ومصر والبحرين» قرار مقاطعة قطر على كافة الأوجه ظهرت للعلن قناة أو مجموعة قنوات جديدة تبث البطولات العالمية والدوريات الأوروبية للجميع، وبشكل شبه مجاني وبشكل قيل إنه منافس لاحتكار قنوات بي إن سبورت مالكة الحقوق الشرعية وصاحبة حق البث في منطقة الشرق الأوسط والمغرب العربي.

ما خفي أعظم يزيح الستار

بثت قناة الجزيرة في اليومين السابقين عبر برنامجها الاستقصائي «ما خفي أعظم» فيلماً وثائقياً، سرد عمليات القرصنة التي تعرضت وما زالت تتعرض لها مجموعة قنوات بي إن سبورت وسرقة المحتوى الخاص بها فيما يخص بث البطولات والدوريات الأوروبية والإقليمية والعربية، بشكل واضح وصريح بلا أي خجل أو وازع ضمير أخلاقي في عملية أطلق القائمون على القرصنة شعار «لا للاحتكار»، فهل ما فعلته بالفعل يخدم هذا الشعار بالفعل؟

لنكن واقعيين يا سادة، البطولات العالمية والدوريات الرياضية خاصة الأوروبية منها أصبحت تجارة عالمية مثلها مثل تجارة النفط أو الغاز أو أي مجال آخر، وبالتالي المنافسة وكسر الاحتكار يكون بالدخول في تقديم العروض المالية للجهات المالكة للحقوق ومحاولة شراء الأحداث والبطولات، ومن ثم إذا فزت فأنت حُر فيما تفعله سواء أتحت هذه البطولات بشكل مجاني أو مدفوع فأنت صاحب الحق ولن يقف في طريقك أحد في كيفية «كسرك للاحتكار».

ولكن ما فعلته قنوات «بي أوت كيو beoutQ» يعتبر بكل المقاييس قرصنة وسرقة في وضح النهار لا تشرعه  القوانين الدولية ولا الأخلاق الإنسانية وهي سرقة جهود الآخرين تحت شعار فضفاض يداري خلفه ويبرره كل من يسرق محتوى الغير بدون أي مسوقات قانونية أو إجراءات متبادلة، وهذا كان معروفاً للجميع لأن هذه عملية القرصنة هذه سبقتها حملات إعلامية من شخصيات رسمية ومؤثرة في المجتمع السعودي روجت لهذا الأمر بشكل صارخ وعلى المكشوف، وعندما اتضح لها أن ما فعلته يعتبر جريمة اقتصادية وأخلاقية بكل المقاييس وتدخلها دائرة المحاسبة والقضاء أرادت الإنكار، ولكن هيهات فنحن الآن في عصر السوشيال ميديا ومن الصعب الهروب مما تكتبه على حسابك فكل شيء يمكن الوصول إليه حتى وإن حاولت التملص لاحقاً، مما يجعلنا نطرح سؤالاً في غاية الأهمية:

هواة أم قرصنة منظمة؟

الشاهد لبث قنوات بي أوت كيو منذ انطلاقتها في منتصف العام 2017، وبعد أيام معدودة من تطبيق المقاطعة على دولة قطر، يستنج بوضوح أن هذه القرصنة الاحترافية قد تم الإعداد لها منذ زمن طويل مثلها مثل اتخاذ قرار مقاطعة دولة قطر بالضبط، فكل شيء فيما شاهدناه في الفيلم الاستقصائي «ما خفي أعظم: خلف الستار» يخبرنا بأن لا صدفة هنا ولا هواة ولا قراصنة مدفوعين من أجل القرصنة.

بل هو عمل ممنهج وتحت رعاية الحكومة السعودية بشكل رسمي وإشراف مباشر من أذرعها الإعلامية وبالتحديد «سعود القحطاني» الذي كان رأس الرمح في هذه العملية تارة بترويجه المباشر على للقناة على حسابه في تويتر، وثانية بمحاولته الخجولة وتغريداته المحذوفة وإنكاره ومن خلفه الآلة الإعلامية لمسألة بث هذه القناة من الأراضي السعودية، وإنكار إدارة قمر عربسات لهذا البث والتي تُشكل الحصة السعودية الأغلبية فيها.

هذا على الجانب الرسمي، أما ما رأيناه والذي ربما كان صادماً للجميع هو كمية الخوادم Servers المنصوبة في المقر الخاص بهذه القنوات وكمية الأجهزة والشاشات والخوادم الاحتياطية والخطط البديلة في حالة انقطاع البث، والذي كشف بوضوح أن ما رأيناه وشاهدناه هي عملية كبرى ومنظمة ومخطط لها منذ أمد بعيد وجدت الرعاية على أعلى المستويات باطنها «كسر الاحتكار» كما يقولون وظاهرها ضرب القناة الرسمية صاحبة الحقوق الشرعية في مقتل.

العدو يأتي من الداخل

شخصياً صُدمت في الجزء الأخير من الفيلم الاستقصائي بعد الكشف عن أن هنالك «عملاء» يمكنك أن أطلق عليهم بكل قوة اسم «الخونة» داخل مقر بي إن سبورت نفسها قد سهلت هذا الأمر بطريقة أو أخرى، وكل من شاهد أو قرأ أو تابع قضية قرصنة بي أوت كيو لمحتوى القناة القطرية يعرف أن ما يجري يجد مباركة رسمية من السلطة السعودية ولكن وأبصم على ما أقوله إن الصدمة بوجود «عملاء أو جواسيس» سهلت هذا الأمر كان صدمة للكثيرين لم يتوقعوها ولا حتى في أحلامهم.

وليس مجرد أي «جواسيس» بل هم في مرتبة وظيفية عليا لهم ثقلهم في التسلسل الوظيفي والأوصاف التقنية التي كانوا يحملونها وبلا شك بحكم كل هذه الأوصاف الوظيفية والهيكلية فإن معظم أو كل القرارات الكبرى التي تخص سياسات مجموعة قنوات بي أن الرياضية تسري عبرهم، وبالكشف عن هذه «الخلية» كما وصفوا بها كانت بمثابة الضربة الكبرى والمؤلمة لمن «جندهم» لسرقة أسرار المؤسسة التي يعملون فيها وأثبتت أيضاً أن الأجهزة الأمنية والعدلية في قطر «صاحية» وتعرف ما تفعل للحفاظ على أمنها القومي والاقتصادي والأمني.

عملية مخابراتية من الطراز الرفيع

دخول أذرع مخابراتية ممثلة في رجل الأعمال المقرب لدى الأجهزة الأمنية المصرية «أحمد أبو هشيمة»، ورجل الاستخبارات السعودي الذي ظهر للمشهد بقوة بعد مقتل خاشقجي في تركيا «ماهر المطرب» أثبتت أن ما فعلته «بي أوت كيو» على مدار عامين ونصف في سرقة المحتوى الخاص بقنوات بي إن سبورت القطرية كان بدوافع سياسية في المقام الأول والأخير.

فأن تجد عملية القرصنة هذه مثل هذه الرعاية السياسية والاقتصادية والتقنية هو أمر لم يسبق له مثيل، وكثيراً ما تساءلت كيف لمؤسسة بحجم «الجزيرة» تعجز عن «التشويش» أو حتى «قطع إشارة بث» قنوات القرصنة السعودية هذه، حتى أتى هذا الفيلم الاستقصائي ليجيب على الكثير من الأسئلة التي يمكنني إيرادها في النقاط التالية:

أولًا: اثبتت عملية قرصنة المحتوى هذه أن الأمر ليس صدفة بل تم التدبير له بفترة طويلة شأنه شأن اتخاذ أمر الحصار وقرصنة وكالة الأنباء القطرية وبث خبر عار من الصحة اتخذتها دول الحصار كذريعة لقطع العلاقات مع قطر بشكل كامل يشمل جميع الجوانب الاقتصادية والأمنية والاجتماعية وبالتأكيد الرياضية بسحب وإلغاء ترخيص عمل قنوات بي إن سبورت في بلاد الحصار، وهذا يقودنا للنقطة الثانية

ثانياً: يمكنني القول إن السعودية بالتحديد ونسبة لقيادتها للحصار و»الغِيرة» من النجاحات التي حققتها قطر في المجال الرياضي وقرارها بمصادرة أجهزة ووقف بث قنوات بي إن سبورت في بلدها جعلتها تذهب بعملية القرصنة لأبعد مدى تجنباً لغضب أو تذمر الشباب السعودي في حالة عدم مقدرتهم على متابعة الدوريات والبطولات الأوروبية وبالتحديد مباريات فرقهم المحلية في البطولات الآسيوية، لذلك كان لزاماً عليها أن تفعل المستحيل وتنفق الأموال لاستمرار البث رغم أن كل الدلائل أشارت وتشير إلى أن مصدر البث والقرصنة من أراضيها.

ثالثاً: كما ذكرت عملية بمثل هذه الإتقان لم تكن لتجد النجاح طوال هذه المدة لولا تواطؤ الكثير من الأطراف، أولها إدارة الأقمار الصناعية عربسات والتي مقرها السعودية، وثانيها عملية التخابر والتجسس من عملاء داخل مقر بي إن سبورت في مراتب وظيفية عليا سهلت لها الاطلاع على التفاصيل التقنية والفنية الخاصة بعملية البث والتشفير، وغيرها من التفاصيل الدقيقة التي سهلت عملية القرصنة.

رابعاً: كما شاهدناها فقد فعلت بي إن سبورت كل شيء تقريباً لإيقاف عمليات القرصنة وذهابها للاتحادات الدولية والقارية ولكن يبدو أن الأمر كان أكثر من عملية قرصنة عادية لهذه الاتحادات بل تدخلت فيها عوامل سياسية «كبلت» هذه الاتحادات في اتخاذ موقف حاسم بعيداً عن بيانات الإدانة، وهي نقطة سلبية لهذه الاتحادات التي كان من المفترض أن يكون لديها موقف قوي وحاسم وليس مجرد بيانات وإدانات خجولة كل فترة وأخرى.

كلنا نقول لا للاحتكار ولكن!

منذ دخول البث الفضائي للدوريات الأوروبية والبطولات العالمية للمنطقة العربية ونحن نشهد عمليات احتكار للقنوات الناقلة لهذه الأحداث فما الجديد؟ قنوات أبو ظبي الرياضية شهرتها وانطلاقتها كانت من خلال بث الدوري الإيطالي بشكل حصري على قنواتها في تسعينيات القرن الماضي، ومازالت حتى الآن تحتكر مباريات كأس الملك الإسباني والتصفيات الأوروبية ولا مجال لمشاهدتها إلا عبرها.

بينما قنوات إي آر تي ART السعودية كانت هي التي أدخلت مفهوم الاحتكار التجاري للبطولات والدوريات الأوروبية في بدايات الألفية الجديدة وكانت صاحبة السبق والريادة في نيل الحقوق الخاصة بالبث الفضائي الاحتكاري في منطقة الشرق الأوسط والمغرب العربي، فهل فعلت بي إن سبورت ما يخالف ذلك؟

هي إذاً مسألة تجارية بحتة يدخل فيها عوامل الربح والخسارة، هنالك متضررون بلا شك وأنا منهم في مسألة مشاهدة الدوريات الأوروبية، ولكن بعيداً عن العواطف فإن ما كان سارياً في سابق السنوات ليس بالضرورة أن يكون صالحاً في هذه الفترة.

 فهي مسألة تجارية بحتة تشتري فيها قنوات حقوق بث البطولات من الاتحادات والمنظمات الرياضية المختلفة وتعيد بيعها لقنوات أخرى والتي بكل تأكيد تنتظر أن تسترجع أرباحها، وعليك أن تنظر بعقل مفتوح للصفقة القياسية التي اشترت بها شبكة سكاي سبورت ومحطة بي تي الرياضية حقوق بث الدوري الإنجليزي في العام 2015 بصفقة قياسية لترى أن مشاهدة الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص أصبحت «بيزنس» أكثر منها رياضة ترفيهية، فهل تُلام بي إن سبورت والأهم دولة قطر باحتكار بث بطولات وأحداث رياضية بطرق مشروعة؟ أترك لك الإجابة عزيزي القارئ.

نقلا عن عرب بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى