مقالات مختارة

تفكيك اللغز الأفغاني

سامح راشد

لم يعد استيلاء حركة طالبان على الحكم في أفغانستان محلّ شك، أو مجرّد تطور محتمل، بعد أن بسطت سيطرتها على حوالي 85% من الأراضي الأفغانية، وخضع لقواتها ما يقترب من نصف عواصم الولايات الأفغانية. ووفقاً للتوقعات الرسمية الأميركية والغربية، ستقع العاصمة كابول في أيدي “طالبان” في غضون ستة أشهر من خروج القوات الأميركية، غير أن التطورات الفعلية على الأرض سارت بوتيرة أسرع كثيراً. وبات واضحاً أن المتبقي أسابيع، بل ربما أيام فقط، قبل سقوط كابول. وإلا لما أمرت واشنطن ولندن وباريس وبرلين بعثاتها الدبلوماسية بمغادرة أفغانستان على وجه السرعة، ووضع خطة إجلاء قصيرة الأجل للرعايا والجاليات من المدنيين. وليس إجلاء البعثات الدبلوماسية إلا خطوة احترازية مؤقتة، لتجنّب أي مخاطر قد تترتب على اقتتال داخلي محتمل قبل أن تدخل “طالبان” كابول وتسيطر عليها.

وستكون عودة البعثات الدبلوماسية لاحقاً إحدى أوراق الضغط الغربي على حركة طالبان بعد الاستيلاء على الحكم، فمن حيث المبدأ، تقبل واشنطن والدول الغربية وجود “طالبان” على رأس السلطة. لكنها، إبراءً للذمة، تطالب بألا يتم ذلك بالقوة، وإنما بالمشاركة مع السلطة الحالية، أو بأي صيغة سياسية أخرى.

ذهبت التحليلات مذاهب شتى، وتناولت أبعاداً متنوّعة في المسألة الأفغانية. منها ما يتعلق بمستقبل السلطة والحكم، ومنها مصير المدنيين الأبرياء النساء اللاتي سيعانين كثيراً تحت حكم “طالبان”، فضلاً عن التداعيات الإقليمية لتحوّل أفغانستان إلى “إمارة إسلامية”. لكن أحداً لم يُثر السؤال المفتاحي الذي من شأنه تفسير كل التطورات الجارية، وربما المستقبلية أيضاً. سؤال الدوافع والأسباب، إذا كان ما يحدث حالياً متوقعاً ومعروفاً مُسبقاً، للأميركيين خصوصاً والغربيين عموماً، لماذا قرّرت واشنطن الخروج بهذه الطريقة المتعجلة، فضلاً عن كونها مهينة؟ وعلى ماذا تراهن واشنطن، وهي بصدد تسليم أفغانستان كاملة لحركة طالبان بهذه السهولة؟ وعلى الرغم من مرور عام ونصف العام منذ إبرام اتفاق السلام الذي استغرقت مفاوضاته جولات ممتدة، ولم يكن ليتم لولا رعاية قطر التي بذلت جهداً كبيراً سياسياً ولوجستياً في التوصل إليه، فلماذا لم تتحرّك واشنطن لاتخاذ ترتيباتٍ عمليةٍ فعالةٍ، تحسّباً لمرحلة ما بعد الخروج؟

إجابات هذه الأسئلة هي المفتاح لفهم السلوك الأميركي المتخاذل، والتعاطي الغربي الهادئ مع عودة الشبح “طالبان”. وليس أفضل من الرجوع إلى التاريخ لفهم ما يجري في الحاضر، فالتطورات الأفغانية الحالية تكاد تطابق ما جرى خلال النصف الأول من التسعينيات، حين كانت واشنطن تريد التخلّص من عبء المليشيات الإسلامية التي أنشأتها وموّلتها وسلّحتها لمقاتلة الاحتلال السوفييتي. ثم وقفت تتابع بهدوء اقتتال تلك المليشيات وتفشّي الاحتراب الداخلي في بلد متعدّد المذاهب والأعراق والقبائل. ولم تر واشنطن أي خطر أو قلق من استيلاء “طالبان” على الحكم عام 1996. بل على العكس، تحوّلت “طالبان” إلى فزّاعة إقليمية، بل عالمية، وصار تحجيمها وتشويه النموذج الذي تقدّمه، ووقف تدفق المقاتلين منها إلى الخارج، الشغل الشاغل لدول مجاورة، مثل إيران والهند وطاجيكستان، ودول شرق أوسطية، خصوصاً بعض الدول العربية، فضلاً عن روسيا والصين. ولولا كارثة “11 سبتمبر” في العام 2001، لما تصدّت واشنطن لتنظيم القاعدة الذي أسسته بنفسها، ولما استهدفت حواضنه بما فيها “طالبان”، ولنأى الأميركيون بأنفسهم عن أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات.

وبعد مرور أكثر من ربع قرن، تخرج واشنطن، وتترك وراءها نموذجاً مرعباً لتلك الدول التي تجمعها بواشنطن توتّراتٌ وأزماتٌ عميقة. وسيكون في صالح البيت الأبيض أن تغرق تلك الدول أو بعضها في هذا المستنقع الأفغاني. هذا هو سر الخذلان الأميركي، إذ تخرج من أفغانستان تاركة وراءها خنجراً مسموماً ذا حدّين: حد يفزع حلفاءها ويزيدهم التصاقاً بها، وحد على رقاب أعدائها وخصومها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى