مقالات مختارة

جريمة الإسماعيلية.. حينما يصبح القتل “عادي” في مصر

سيد عبدالحميد

يحدث في مصر أن يموت إنسان في الشارع فجأة، وقد يموت البعض لأتفه الأسباب المادية أحياناً؛ إذ يمكن أن يموت الناس في الشارع بسبب حادثة تصادم سيارات تسبب بها انشغال سائق بهاتفه أو محاولة أم إسكات طفلها، أو لأي سبب عبثي آخر يمكن تقبله لوقوعه في مصر، إذ دعنا نتفق على أن أغلب ما يحدث في مصر هزلي وغير منطقي. تفهم هذا الهزل، جعلنا نبتلع الكثير مما لا يجب ابتلاعه.

لكن أن تتم إراقة دماء ونحر إنسان في وضح النهار، أمام أعين المارة، كما حدث بالأمس في الإسماعيلية، فذلك منعطف جديد شديد الخطورة وارتفاع مفاجئ في منحنى لا مبالاة المصريين بما يحدث حولهم. ليس من الطبيعي أو المتوقع أن ترى جريمة قتل على الطريقة الداعشية في شارع بمحافظة الإسماعيلية.

جريمة قتل في الشارع!

في مدينة الإسماعيلية وفي وضح النهار، بشارع عمومي، قام رجل بفصل رأس رجل آخر عن جسده باستخدام ساطور ثم راح يتجول بالرأس بعدما وضعه في كيس أسود!

مشهد يصلح لفيلم هوليوودي من تلك الأفلام التي يتم وضع تحذير مسبق قبل عرضها بأنها غير مناسبة للأطفال وأصحاب القلوب الضعيفة، ولكنه ليس كذلك، بل ملخص مقتضب لما حدث بالأمس.

بلا أي معلومات دقيقة حول ملابسات الجريمة، انتشر فيديو لواقعة القتل كالنار في الهشيم، تم تصويره من جميع الزوايا التي كان ممكناً التصوير منها أقربها كان على بعد أمتار قليلة جداً من الجريمة الحية.

سحل، قتل، تمثيل بالجثة، فصل الرأس بالكامل ومن ثم وضعه في كيس بلاستيكي أسود والسير به، ومن بعدها ضرب رجل عابر بسلاح الجريمة وإصابته بلا هدف، قبل أن يخرج المتفرجون من صدمتهم ليهاجموا القاتل ويتمكنوا من القبض عليه وتسليمه للشرطة.

ما حدث بالأمس هو أبشع جريمة تم تصويرها في مصر، بالطبع تحدث الحوادث يومياً، ولكني من فرط الصدمة أجزم أن ما رأيته هو الأبشع.

وبين تضارب الأقوال التي تشترك في كونها جريمة شرف لغسل العار وبين عدم وجود سبب نهائي أو سابق معرفة بين القاتل والمجني عليه، نجد أن الشيء الأبرز في لقطات الفيديو لم يكن الجريمة البشعة فقط، بل تجمهر المتفرجين حول الجريمة الحية وارتسام علامات اللامبالاة على أكثرهم.

آثار الصدمة النفسية

يلجأ العقل البشري لحيلة التجميد لتخطي شعور، موقف، حادثة، غير مرغوب بها أو أي أمر جلل لا يمكن للإنسان التعامل معه بشكل طبيعي.

في لقطات الفيديو كانت كل السيارات تمر في الشارع بلا أي توقف يذكر، وكان أغلب المارة يشاهدون المشهد ثم يكملون مسيرهم.

الأغلبية كانت تشاهد في صمت بينما يعلو الصراخ من الآمنين نسبياً في منازلهم. يتعرض المخ البشري لصدمات عديدة قد تدفعه للتجمد أو إبداء اللامبالاة لبرهة، الأمر الذي يوضحه هجوم الناس على القاتل فيما بعد والإمساك به. لم يكن يبدو أن أولئك الناس هم أنفسهم الذين شاهدوا عملية قتل استغرقت 20 دقيقة كاملة تم فيها سحل وقتل المجني عليه وبعدها فصل رأسه بعنف.

يختلف أثر الصدمة من المشاهدين إلی المجني عليهم، ضحايا التحرش الجنسي على سبيل المثال، يعرفن أن أسوأ ما يحدث لهن هو أن يتم انتهاكهن فجأة، ولغرابة الفعل وقسوته يلجأ العقل لتخطي اللحظة الصادمة بتجميد الأجساد، نوع من الشلل المؤقت وفقدان القدرة على الفعل.

القيل والقال: شهادات غير دقيقة

المعروف لنا حتى الآن ولم يتسن لنا التأكد منه، هو أن الجاني كان في إحدى المصحات النفسية لعلاج الإدمان، ومن غير المعروف حقيقة علاقته بالمجني عليه.

تقول زوجة المجني عليه وشقيقه في حوارات صحفية إنه لا علاقة للمجني عليه بالقاتل. ولكن شهود عيان أشاروا لأقوال القاتل أثناء تنفيذ الجريمة بأن الأمر يتعلق بعلاقة المجني عليه بزوجة الجاني وشقيقته، وبعضهم قال أمه وزوجته إشارة لعلاقة محرمة أو اغتصاب!

ربما يكون هذا هو المدخل الحقيقي لتوقف كل هؤلاء عن التدخل، لأنه في الموروث الشعبي القديم والحديث تُعد جرائم الشرف شيئاً عظيماً لا يخجل منه الرجل في مجتمع مقهور له نزعة تدميرية، تقوم فيه العلاقات الاجتماعية بالأساس على القمع والوحشية كسمات أساسية مشتركة بين أغلب مواطنيه.

قضايا الشرف وحدها هي الاستثناء الذي يسمح به القانون جزئياً والمجتمع كلياً لأي مواطن بإراقة الدماء، سواء وُجد شهود أم لا، سواء كان المقتول رجلاً أو امرأة، سواء كانت الجريمة ستؤدي إلی حبل المشنقة أو الخروج بحكم القانون الذي يمنح البراءة في هذا النوع من القضايا.

مجتمع دموي بطبعه

في وطن تكثر فيه يومياً حوادث القتل والخطف والتحرش الجنسي التي يبدو أنه لا شفاء منها رغم بداية تفعيل القوانين بشكل أكثر قوة وفاعلية تجاه البلاغات، إلا أنه من الواضح أن الأمور خرجت عن السيطرة.

العنف والقسوة باتا سمات أساسية في المجتمع المصري، ولا القانون يردع ولا الدين يهذب. فمقولة “شعب متدين بطبعه” لا تعني إلا التهكم والسخرية من مجتمع وحشي غير إنساني يمكنه تبرير أي جريمة أو اعتداء بلا أي عناء يذكر.

في مصر يبرر ويمرر القمع السياسي كضرورة للاستقرار الاقتصادي والمجتمعي، والعنف الأسري بدوافع الحب والغيرة.

في مصر ستجد تبريراً للتحرش الجنسي ومحاولات مستميتة للدفاع عن المتحرش لا عن الضحية، ستجد من يقولون لكِ: حرام هذا شاب مراهق، حرام ذلك رجل متزوج، حرام هذا رجل كبير.
في مصر سيبرر الناس الجريمة، لأن العقوبة “حرام” ويستعطفون المجني عليهم للتنازل عن حقوقهم، لأن أخذ الحق “حرام”، ولن تجد كلمات مثل حرام أو عيب تمنع المعتدي أياً كانت فعلته.

في مصر جريمة مثل هذه قد تجد من يبررها ويمررها بأنها قضية شرف وكل شيء يهون إلا العرض، ربما تجد دافع كل المشاهدين هو أن القاتل أخبرهم أنه يأخذ حقه ممن انتهك عرضه ووجد من صدقه. كل هذه الجرائم ستجد لها تبريرات غير منطقية، ستجد لها حيلاً قانونية يمكن أن تضلل المحكمة وتُبعد المذنب عن عقابه.

الفن مرادف الحياة

في العقد الماضي انتشرت العديد من الأفلام المصرية التي يجسد أبطالها جانباً من ثقافة مجتمعية، جزء قبيح وبشع، سرطاني ينتشر في جسد الوطن، لكنه حقيقي. انتشرت صورة المجرم على أفيش الأفلام، لا كشرير ولكن كفتی الشاشة، رجل المهام الصعبة الذي يمكنه أن يضرب رجال حي بأكمله ومن ثم يظفر بأي امرأة يريدها.

صورة الفتى الممشوق، عاري الصدر، حامل السلاح الأبيض، صاحب التلميحات الجنسية تصدرت في فترة ما معظم ملصقات الدعاية والإعلان والأفلام السينمائية. من الواضح أن الجميع سيدفع ثمن الصور التي طغت وتصدرت الأشكال الفنية المختلفة، ربما لا يعلم الجميع تأثيرات الفن المباشرة وغير المباشرة على المتلقي. وربما في الوقت الحالي الذي تتجه فيه بعض الأعمال بصورة جادة للتطرق لأمور مهمة وقضايا العنف الأسري والاغتصاب الزوجي والتحرش وغيرها، فمن الواجب أن تبدأ حملات توعية حية للحلول البديلة لمجابهة العنف، لقيمة القانون، للعلاج النفسي، لخطورة الإدمان.

كل الأشياء تشير إلى أن المجتمع المصري سُلب قدرته على الرفض أو الاندهاش، فقد القدرة على التفاعل أو التواصل مع بعضه وأن كل شخص صار يسير في حياته كأنه يحارب غيره عليها. وأن “أكل العيش” صار يعني أكل الآخرين إذا توجب الأمر للفوز بقوت اليوم.

لم يعد ممكناً إغفال حقيقة أن الناس في مصر يعيشون في جمود رهيب يدفعهم لمشاهدة جرعة مكثفة من الوحشية بلا تفاعل، من الواضح أن هذا العالم فقد قدرته على الإدهاش بالنسبة للمصريين، ولم يعد ممكناً إلا البحث عن علاج شديد الفاعلية قبل أن نتحول لآكلي لحوم بشر يأكل بعضنا بعضاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى