مقالات مختارة

جنون «بريكست» وأثره على الشرق الأوسط.. توم غروس

تعيش بريطانيا موجة من الجنون بسبب «بريكست»، ويبدو أن البلاد برمتها على موعد لمعايشة «أزمة منتصف عمر» جماعية. واليوم، جرى تجميد الكثير من القرارات الاقتصادية والاجتماعية، في الوقت الذي دخل الحزبان الكبيران بالبلاد، المحافظون والعمل، في مشاحنات كبيرة حول ما إذا كان ينبغي الانفصال عن الاتحاد الأوروبي ومتى وكيف. ويتسم المشهد العام السياسي داخل بريطانيا اليوم بصبغة محلية قوية، وعليه لم يكن من المثير للدهشة أن تشهد الساحة السياسية نقاشا محدودا للغاية حول تأثير «بريكست» على السياسة الخارجية البريطانية.

ويبدو عدد من العناصر الدولية الفاعلة والمحورية مثل الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين والقيادة الصينية حريصين للغاية على مضي «بريكست» قدما؛ وذلك لاعتقادها (وهو اعتقاد صائب من وجهة نظري)، أن النتيجة ستكون اتحادا أوروبيا وبريطانيا أكثر ضعفا؛ الأمر الذي سيعزز تلقائيا النفوذ الدولي لتلك العناصر.

وسعيا لتشجيع بريطانيا على الانفصال عن أوروبا، أكد ترامب أن «بريكست» يقوي مكانة بريطانيا على الساحة العالمية، لكن هذا ليس ما أسمعه في المحادثات الخاصة مع سياسيين بارزين من واشنطن وعواصم أخرى. على سبيل المثال، أخبرني مستشار بارز معني بالسياسة الخارجية يعمل منذ فترة طويلة مع سيناتور جمهوري رفيع وعضو في لجنة العلاقات الخارجية داخل مجلس الشيوخ الأميركي، في إطار حديث خاص دار بيننا أنه: «لقد قللنا بالفعل من المكانة التي نوليها للمملكة المتحدة».

وبدأنا بالفعل في معاينة مؤشرات على الضعف الذي لحق ببريطانيا، وذلك مع إقدام دول أخرى على اختبار عزيمتها وإرادتها. مثلا، استولت إيران على سفينة بريطانية في الخليج العربي في يوليو (تموز)، وألقت القبض على أفراد طاقمها البالغ عددهم 23 فردا. ووصفت الحكومة البريطانية الحادث بأنه «قرصنة من جانب دولة»، لكنها لم تفعل في البداية سوى القليل للغاية كرد فعل على هذا التصرف الإيراني (وإن كانت أعلنت في 2 سبتمبر (أيلول) أخيرا أنها بصدد إرسال طائرات درون للمنطقة).

أما الصين فهي مستمرة في تراجعها عن تعهداتها في المعاهدة المبرمة بينها وبين بريطانيا والتي تكفل حقوق وحريات داخل هونغ كونغ. جدير بالذكر، أن المملكة المتحدة لم توافق على تسليم هونغ كونغ إلى الصين عام 1997 سوى على أساس هذه المعاهدة. ومع هذا، جاء الرد البريطاني على الموقف الصيني خافتا. وأشار مراقبون إلى أن الانتقادات التي وجهها رئيس الوزراء بوريس جونسون إلى الصين بسبب موقفها من هونغ كونغ، جاءت أقل حدة عن تلك التي أطلقها قادة آخرون في أستراليا وكندا، مثلا.

وربما تستمر المملكة المتحدة في الانغماس في قضاياها الداخلية حتى بعد «بريكست»، وبخاصة أن الكثيرين في أسكوتلندا وربما إيرلندا الشمالية قد يصعّدون من حملاتهم للانفصال عن المملكة المتحدة. وينظر هؤلاء إلى «بريكست» باعتباره صورة من صور القومية الإنجليزية، وليس كظاهرة بريطانية. وبالتالي، فإنهم لا يرغبون في أن يصبحوا «آخر المستعمرات الإنجليزية».

ورغم ذلك، تبقى المملكة المتحدة قوة عالمية مهمة، وبخاصة أنها واحدة من خمس دول أعضاء دائمين بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كما أنها واحدة من أقوى قوتين عسكريتين في أوروبا (الثانية فرنسا). وتبقى لندن عاصمة مالية دولية مهمة، وسيستمر تأثير ونفوذ الشركات ووسائل الإعلام البريطانية.

والآن، ماذا عن الشرق الأوسط؟ هل ستغير بريطانيا سياساتها بعد «بريكست»؟ في بعض الجوانب، ربما نعم، لكن تنبغي الإشارة هنا إلى أنه حتى عندما كانت المملكة المتحدة جزءا من الاتحاد الأوروبي، كانت هناك خلافات حادة حول قضايا محورية، أبرزها حرب العراق عام 2003. وقد دعمت المملكة المتحدة، بجانب بولندا وإيطاليا وهولندا ودول أخرى، التحرك الذي قادته أميركا لإطاحة صدام حسين، بينما رفضت فرنسا وألمانيا وعدد آخر من دول الاتحاد الأوروبية الدعوات الأميركية لمعاونتها في هذا التحرك.

فيما يخص المسألة الإيرانية، والقضية الإسرائيلية – الفلسطينية، فإن الإجماع القائم اليوم بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ربما يتبدل بعد «بريكست».

يذكر، أنه لدى زيارته لندن، الشهر الماضي، قال مستشار الأمن الوطني الأميركي جون بولتون إن الولايات المتحدة متحمسة إزاء «بريكست دونما اتفاق»، مضيفا أن الولايات المتحدة ربما تستعد لتوقيع اتفاقيات تجارية سريعة مع المملكة المتحدة، قطاعا بقطاع، بدلا عن انتظار إقرار اتفاق شامل والذي قد يتطلب إنجازه سنوات.

أما الأمر الذي لم يفصح بولتون عنه صراحة، فهو أن إدارة ترامب، وفي إطار هذه المفاوضات، ربما تطلب من المملكة المتحدة التوافق مع المواقف الأميركية إزاء النظام الإيراني. ومن شأن ذلك إسعاد الكثيرين في العالم العربي وإسرائيل التي تشارك في وجهة نظر بولتون حول أن «الاتفاق النووي الإيراني» المدعوم من جانب الاتحاد الأوروبي يزيد، وليس يقلل، من فرص حصول إيران على أسلحة نووية على المدى المتوسط.

فيما يخص إسرائيل، فإنه لطالما ظل المحافظون في السلطة، ربما تتحرك المملكة المتحدة بدرجة أقرب نحو المواقف الأميركية خلال حقبة ما بعد «بريكست»، بدلا عن أن تصبح جزءا من إجماع الاتحاد الأوروبي الذي يعادي بعض الأحيان إسرائيل. على سبيل المثال، لمح الوزير الحكومي البارز مايكل غوف فيما مضى في مقال نشرته صحيفة «التايمز» بأن المملكة المتحدة ينبغي أن تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، وشدد على هذا الأمر أمامي عندما التقيته.

وفي يوليو الماضي، أصبح وزير المالية الجديد ساجد جاويد، أول وزير في الحكومة البريطانية منذ 19 عاما يزور الحائط الغربي في القدس. كان جاويد، وهو مسلم علماني، قد زار في البداية إسرائيل مع والديه المولودين في باكستان من أجل قضاء عطلة عائلية عندما كان طفلا. ولطالما ظل مؤيدا لإسرائيل، بل وقضى شهر العسل الخاص به في إسرائيل قبل أن يدخل مجال العمل السياسي.
ويعتبر وزير آخر، وزير الداخلية بريتي باتيل المولود في لندن لأسرة أوغندية – هندية، من الداعمين المتحمسين لإسرائيل.

فيما يخص رئيس الوزراء بوريس جونسون، فقد كان داعما لإسرائيل في مواقف متنوعة، لكنه لم يبد القدر ذاته من الدعم في مواقف أخرى. وقد ناصر الدولة اليهودية داخل اتحاد طلاب أوكسفورد عندما كان طالبا، رغم أن هذا موقف لا يحظى دوما بشعبية، وقضى عطلاته الصيفية في كيبوتز.

وعندما أصبح وزيرا للخارجية، ندد جونسون بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بسبب تركيزه غير المتناسب على إسرائيل؛ الأمر الذي قال إنه «يضر بقضية السلام».

ومع هذا، فإنه أثناء حرب غزة وصف الرد الإسرائيلي بأنه «غير متناسب وقبيح ومأساوي». وفي كتابه عن تشرشل، تحدث جونسون عن: «الأسلوب المشين الذي يتعامل به الإسرائيليون مع الفلسطينيين»، و«المستوى العام البائس للقيادة الفلسطينية».

وفي وقت سابق، وفي إشارة إلى أصوله المتنوعة، وصف جونسون بأنه «بوتقة في شكل رجل»، بالنظر إلى أجداده المسلمين واليهود والمسيحيين. يذكر أن جده الأكبر صحافي تركي – جركسي يدعى علي كمال، بينما جدته الكبرى لأمه يهودية مولودة في ليتوانيا.

إلا أنه، حسب معرفتي به، بالنظر إلى أنني التقيته مرات عدة على مدار سنوات (منها غداء مطول جمعنا ذات مرة في براغ، لم يبد خلاله هذا القدر الكبير من العداء لأوروبا)، فإن أصوله المسلمة واليهودية لا تحمل أدنى أهمية في رؤيته للسياسة الخارجية. في الواقع، يتميز جونسون برؤية بريطانية للغاية، وبخاصة أنه تعلم في إيتون وأوكسفورد، وكان رئيس اتحاد طلاب أوكسفورد، وعضوا في بولينغدون كلوب ـ وجميعها كيانات في قلب المؤسسة البريطانية.

وأعتقد أنه حال وصول زعيم حزب العمال المعارض جيرمي كوربين للسلطة، فإن هذا من المحتمل أن يؤدي إلى تغيير درامي أكبر بكثير في السياسة البريطانية إزاء الشرق الأوسط خلال حقبة ما بعد «بريكست»؛ الأمر الذي ربما يحدث بالفعل حال دعوة جونسون إلى عقد انتخابات مبكرة خلال الأسابيع المقبلة.

فيما مضى، كان كوربين – الذي يعتبر الزعيم اليساري الأكثر راديكالية في تاريخ بريطانيا – داعما قويا للحكومة الإسلامية في إيران، وجماعتي «حماس» و«حزب الله» الممولتين من إيران.

وقضى كوربين سنوات في العمل لصالح قناة دعائية إيرانية، «بريس تي في»، وشارك بالحديث في ندوة عن الثورة الإيرانية الشاملة عام 2014 أقيمت لإحياء ذكرى انتصار الثورة في إيران. وانضم إليه في الحديث عبد الحسين معزي، الممثل الخاص للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي لدى المملكة المتحدة.

إلا أنه عندما سئل من جانب صحافي في «بي بي سي» حول دعمه إيران في سنوات سابقة، أجاب كوربين بتوجيه النقد إلى دول خليجية.

وعلى ما يبدو، يشعر كوربين بالإعجاب تجاه أي حكومة ما دامت أنها معادية للولايات المتحدة. وفيما مضى، ألّف فصلا في كتاب «معاداة الإمبريالية» دافع فيه عن نظام كوريا الشمالية، وأعرب عن إعجابه بالزعيم الشيوعي إريك هونيكر المنتمي إلى ألمانيا الشرقية.

وحتى يومنا هذا، يجد كوربين صعوبة في التنديد بالنظام السوري لما يرتكبه من مذابح وتطهير عرقي بحق العرب السنة في سوريا، أو انتقاد الحكام أمثال فلاديمير بوتين أو نيكولاس مادورو في فنزويلا. وعلى النقيض، يكنّ كوربين كراهية إزاء إسرائيل ودول خليجية لكونها حليفة مقربة من واشنطن.

وحال وصول كوربين للسلطة، فإن بريطانيا قد تتحرك بصورة حادة بعيدا عن إجماع الاتحاد الأوروبي تجاه الشرق الأوسط، وتتخذ مواقف مؤدية فعليا لـ«حماس» والنظام الإيراني.

عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات