مدونات

دور السعودية في إسقاط عدن

بالأحمر الذي يرمز إلى دم الشهداء والوحدة، والأبيض الذي يرمز إلى المستقبل المشرق، والأسود الذي يرمز إلى الماضي المظلم، يتكون علم الجمهورية اليمنية، والذي أعتمد عام 1990، يوم الوحدة بين الشطرين الشمالي والجنوبي.

الجمهورية الأولى والوحدة التي تبعتها لم تكن في يوم من الأيام لتروق للنظام الملكي السعودي الذي استشعر الخطر بوجود جمهورية في الجوار، مع أطماع مستمرة في خيرات تلك الجمهورية لاسيما بعد أن اكتشف البترول فيها، ولا يمكن ان ينسى التاريخ دعم المملكة لعلي سالم البيض في مطالبته بحكم ذاتي، وهي الخطوة الأولى التي كانت تسعى إليها السعودية لتنفيذ مخططها بانفصال الجنوب، لقد كشفت الوثائق أن السعودية مولت الفكرة والمطالب بها بمليارات الدولارات وسلحته كي ينفذ ما ترغب هي فيه، لا حبا في سالم البيض بل سعيا لتفكيك تلك الجمهورية وإضعافها، وإدخالها في دوامة الصراع الذي لا ينتهي.

تكرر الأمر مرة أخرى في الحروب الست التي خاضتها الجمهورية اليمنية ضد الحوثيين في الفترة من 2004 إلى 2010 والتي كان الهدف منها حماية الجمهورية من الردة إلى حكم الإمامية، وعلى الرغم من ان السعودية دعمت عبد الله صالح ضد الحوثيين في الظاهر إلا أنها كانت في الباطن تدعم الحوثيين، مع علمها أن الحوثيين، صنيعة إيرانية، لكنها رأت أن استمرار الحرب وإجهاض الجمهورية من خلال لعبة التوازنات، أولوية لديها من صناعة عفريت لم تدرك خطره إلى هذه الأيام.

بعد ثورة فبراير المجيدة، ثورة الشباب اليميني المخلص المؤمن بالديمقراطية والساعي إلى بناء يمنٍ حديث يقوم على دولة المؤسسات وحكم القانون كانت السعودية والامارات موجودتان وبقوة لإفشال الثورة ودعمت علي عبد الله الصالح، رغم عداوتها معه مكايدة للثورة ورغبة في إفشال مشروع الدولة الحديثة، فكانت المبادرة الخليجية، التي وضعت بذرة الخلاف ودست السم في العسل، والتي مهدت للحوار الوطني الذي أجلس الحوثي في مقعد المحاور والمشارك والراسم لمستقبل اليمن، والتي بدأ يظهر فيها مرة أخرى الحديث عن الأزمة الجنوبية، وهو ما بدأ يأجج النزعة الانفصالية، وهو ما يستشعر فيه الأيادي السعودية والإماراتية، بما لهما من دور تاريخي في هذه القضية، تلك الأيادي التي كشفت في أزمة إسقاط صنعاء والتي كان الهدف منها تقويض البنى السياسية لثورة 11 فبراير، ومن ثم إعادة تشكيل النظام السياسي في اليمن على النحو الذي يرضي الرياض.

لقد كانت السعودية ولا تزال ترتب أولوياتها على نحو لا يمكن أن يستوعبه عاقل، فإسقاط الثورة وإبعاد حزب الإصلاح كان بالنسبة لنظام السعودي بملكيه عبد الله وسلمان، أهم من مواجهة إيران أو إفشال مخططها التوسعي في المنطقة، فتراخت مع الحوثي، بل دعمته بشكل غير مباشر من خلال تقويض جهود الثوار والمقاومة، أو بشكل مباشر من خلال شراء ذمم بعض الخونة لتسلم صنعاء وتحاصر تعز وتجمد عمليات تحرير الحديدة وغيرها من المواقع التي كان بالإمكان لو وجدت الإرادة أن تغيير المعادلة في صراع الثورة مع الانقلابيين.

بعد سقوط عدن، خرج البعض ليقول إن الإمارات لم تسقط عدن، بل أسقطت الرياض قبل عدن، وهو كلام أقل ما يوصف أنه ساذج، لأن الإمارات دأبت على مرأى ومسمع من الرياض بتشكيل الميليشيات وتسليحها وتدريبها وانفاقها على عتادها وسلاحها وذخيرتها، بل وتخطط لها لتأتمر تلك الميليشيات بأوامر الضباط الإماراتيين، دون ان تحرك ساكنا، قد سكتت السعودية على تنامي النزعة الانفصالية، وتساعد في بلورة الهيكل التنظيمي للمجلس الانتقالي في الجنوب للعب به كورقة في شكل الترتيبات النهائية للأزمة اليمينة.

أزمة السعودية أنها لن تقبل أن تكون لليمن جمهورية حديثة تبنى على أساس المواطنة وسيادة القانون، لن تقبل أن يكون اليمن ديمقراطيا تتداول فيه السلطة بالطرق السلمية، وهي يتوارث فيها العائلة حكم تلك المملكة، ويساق فيها الشعب إلى مصائرهم، وتوزع فيها ارزاقهم من قصر الحكم بالرياض. أزمة السعودية أنها تريد أن تعيد اليمن إلى نواة الدولة الأولى، إلى حكم العشيرة والقبيلة، حتى تتمكن من السيطرة عليه بالطرق المعروفة لديها.

على الثوار أن يتحركوا وأن يشكلوا قيادات جديدة حقيقية بعد أن أثبتت تلك القيادات أنها لا تصلح لبناء دولة حديثة قوية يحكمها القانون وتسيرها المؤسسات بعيدا عن حكم الفرد أو العشيرة، لكن كما قال العرب رب ضارة نافعة. إن سقوط عدن كشف الغشاوة عمن رأى في السعودية والإمارات حلفاء يريدون الخير لليمن، وبقي على من كشفت عن عينيه الغشاوة أن ينظر مليا أين سيضع قدمه في الخطوة القادمة، وستنتصر الشعوب رغم كيد الفاسدين.

بقلم\ ياسر عبدالعزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى