مقالات مختارة

«ديكتاتوري المفضل»!.. يحيى مصطفى كامل

«أين ديكتاتوري المفضل»؟ ربما نما إلى علم الكثيرين هذا الوصف الذي أطلقه ترامب على السيسي، مترقبا وصوله إلى لقاءٍ مرتبٍ بينهما، على هامش قمة السبع الكبار في فرنسا. قبل ذلك ببضع سنوات وبحسب رواية بوب وودوارد في كتابه المهم «خوف» عن ترامب، فإن الرئيس الأمريكي في معرض شكواه إلى مستشاره القانوني حينذاك جون داود، من عدم مقدرته الاضطلاع بمهامه كرئيس، نظرا لما يتعرض له من ضغوط، جراء تحقيق مولر، فإنه أسر له أو كاشفه بمحادثةٍ دارت بينه وبين السيسي في شأن آية حجازي المصرية الأمريكية المحبوسة آنذاك بتهمٍ عديدةٍ ملفقة. يبدو أن السيسي، المؤمن بحقوق الإنسان والقضاء النزيه، كما نعلم من سيرته الناصعة، فاصله كثيرا بأسلوبٍ لزج، لذا فلم يوفر ترامب النعوت المسيئة حتى قال لداود «تذكر مع من أتحدث»، ثم وصفه بـ«القاتل الوغد» وكررها. الحقيقة لقد استخدم كلمةً أكثر بذاءة لا نستطيع تكرارها في صحيفةٍ محترمة.

اللافت والفكاهي في تلك المكالمة، أن السيسي أعرب لترامب عن قلقه على مصيره من ذلك التحقيق، قبل أن يسأله إن كان يظن أنه سيستمر في منصبه؟ وماذا إذا احتاج السيسي إلى«جميلٍ» أو«معروفٍ» منه؟

انعدام كياسةٍ وتمييز… وقد يسميها البعض جلافةً

علق البعض في وسائل الإعلام عما يرونه ميلا من ترامب إلى الطغاة من أمثال بوتين وشي جينبينغ، إلا أنه بالتأكيد سيتعامل معهما باحترامٍ ونديةٍ أكثر، فهما لاعبان كبيران يقودان دولتين لهما ثقلهما. أما السيسي فبعد أن يصفه بالقاتل الوغد سرا، فإنه يسأل عن ديكتاتوره المفضل في العلن، ذلك الذي يطلق سراح فتاة بعدما ضبطتها شرطته وأدانها قضاؤه بالخطف والاغتصاب والاتجار بالبشر. لستَ في حاجةٍ إلى فيضٍ من الفطنة ولا سيلٍ من الذكاء لتستنتج أن ترامب (وإدارته) لا يكن أدنى قدرٍ من الاحترام للسيسي، ويترجح لديك م نؤكده من أن عدم تدخله في الشأن المصري بالضغط، واستخدام أو حتى التلويح بملف حقوق الإنسان، ليس راجعا إلى رضا أو اطمئنان، لا سمح الله، وإنما لأن أولوياته ونظرته للعالم مختلفة، وغير تقليدية في محاكاةٍ لشخصه، ولما يعبر عنه في مجمل وجوده على الساحة السياسية، بشتى التفاصيل، من ظاهرةٍ أنتجتها أزمة طبقاتٍ ووضع أمريكا في العالم، فالرجل مهمومٌ أولا بصراعه مع الصين، التي لا يبدو أن عائقا قادرٌ على إيقافها، ومشاكل أخرى أكثر إلحاحا ككوريا الشمالية وإيران من ناحية، وهو بعنصريته التي لم يتجشم أي مشقةٍ ليخفيها في أحيان عديدة، يصدر في تعامله مع مصر عن نظرةٍ استعلائية، لا ترى شعوبنا سوى مستحقة لهؤلاء الحكام كوننا فصيلة أحط وأردأ.

لكن، ربما ما لم يعلمه ترامب حتى وقتٍ قريب، أن«ديكتاتوره المفضل» صفيق أيضا، لقد تناولت سابقا تلك البطارية من المقذوفات التي أسقطها محمد علي على رؤوس السيسي ومعاونيه، خاصة من كبار الضباط، فختمت كاتبا بأن الكرة في ملعبهم. وفي استجابةٍ سريعة لتلك الظاهرة، لتلك الصخرة التي مثلتها فيديوهات محمد علي، التي حركت ركود مستنقع دولة السيسي فلفظ ما في أحشائه، خرج علينا ممسكا الميكروفون موليا الحضور الجلوس قفاه الكريم (ذلك الأسلوب صار بصمته المميزة) ليخبرنا بأنه قرر قبول التحدي على عكس نصيحة أجهزته، فأكد أنه بنى وسيبني قصورا لأنه يبني دولة.

بالفعل لقد قطعت جهيزة قول كل خطيب. لست بحاجةٍ ايضاً، لأن أشير لكم، زاد ذلك التصريح النار اشتعالاً، إذ مباشرةً أثيرت أسئلةٌ من نوع: وما بال المدارس والمشافي في تلك الدولة الجديدة التي يبنيها جنابه؟ وما أخبار مصر التي صارت «قديمةً» ضمناً بحسب كلامه؟ أستُترك لتتعفن؟ (نحن نعلم الإجابة بالطبع).

لكن تبقى بضع ملاحظات مهمة من وجهة نظري، بداية هناك هيئته ولغة جسده وما ارتسم حول عينيه، فقد وشت جميعا بغضبٍ وتوترٍ يصعب أن تخطئهما العين. لقد انبرى غضِبا للرد، لكنه بذلك أوقع نفسه وأجهزته الأمنية في مشكلة، فقد أثبت أن تلك التسجيلات قد هزتهم وجرحتهم، وأنهم خائفون مرتعشون، وأنهم يشعرون بهشاشة موقفهم؛ وما العنف المبالغ فيه سوى خير تعبيرٍ عن الشعور بذلك الخوف والقلق وانعدام الاستقرار، لذلك نصحته الأجهزة بعدم الحديث، فقد أثبت التهم، ولعلهم أكثر تواضعا وأقل امتلاء بالذات، لذا أدركوا بأن أي كلام يقال لن يبدد الدهشة والغضب لدى الجمهور، وأنه كفيلٌ بأن يزيد من غيظ الناس متى تفنن وانطلق.

جزءٌ من المشكلة أيضا يكمن في أنه بسيل أحاديثه وتصريحاته لم يقف عند خسارة الدعم فحسب، بل إنه يجعل مهمة الدفاع عنه وإيجاد التبريرات من قبل أنصاره وداعميه أكثر صعوبة بمراحل. غير أن أهم ما يلفت له هذا الفصل الانتباه، هو كم اليأس والخوف الذي يسيطر على الطبقة الحاكمة أو المستفيدة من حكم السيسي، تلك التي لم تنِ تدعمه بشراسةٍ وضراوة، فقد أثبتت مستويات الابتذال في التنقيب عن حججٍ تبرر بها سقطات السيسي ودمويته وصفاقاته، كم هي مفلسة وفاقدة للخيال، ولعلنا بذلك ندرك أن المشكلة ليست في السيسي والمؤسسة العسكرية فحسب، ولا النظام، وإنما هي أعمق من ذلك وتتعلق بالطبقة الحاكمة، الخائفة على مصالحها التي أفرزت الوضع الحالي واستدعت السيسي. هذه الطبقة، بأطيافها من المتدين للمتحلل، مهلهة ومفلسة تماما. يعرف ترامب أن«ديكتاتوره المفضل» قاتل، ولعله وصل إليه شيء من كونه يستأسد علينا نحن بينما يذوب وداعةً ورقةً كالزبد أمامه، إذ يجلس إليه ليطلب منه صنيعا، لكن هل تصور يوما كم هو صفيق؟!

عن صحيفة القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى