مقالات مختارة

“رابعة العدوية”: حين سقطت الدولة

تصدّرت الصحافة المصرية في هذا الموسم للعام السادس على التوالي، في سرديات “شيطنة” معتصمي ميداني رابعة العدوية والنهضة، المقولات المتكرّرة عن “الأسلحة الكيماوية”، “الصواريخ”، “جهاد النكاح”، وكل شيء يوحي بـ “لا إنسانية” المعتصمين، فقط لتبرّر، من طريق آخر، “لا إنسانية” السلطة، أو بعبارة أخرى سقوطها.

يدرس طلاب العلوم السياسية من اليوم الأول تعريفًا واضحًا للدولة، الكيان الذي يحتكر حق الاستعمال (المشروع) للقوة، وإلا لا تختلف دولة عن منظمات المافيا وعصابات المخدرات والاتجار بالبشر، أو الأوطان.. ولم تزل محاولات تبرير المجزرة، وما تلاها، تستدعي كل سبب لإنقاذ هذا الافتراض الذي لا يزال قائما لدى بعضهم بأننا نعيش في “دولة”.

بعد ست سنوات من الواقعة التي تقدّر جهات مختلفة ضحاياها بين 1100 و2600 قتيل، لم تعد “إراقة الدماء” و”حرق الأرض” ممارسةً تزاولها السلطة على المعارضين فقط، سواء من سقط منهم في قبضتها أو من نجا، بل إنها تطبّق هاتين السياستين على كل من لا ترغب في وجودهم، فالذين لم يجدوا سكنًا ولا عملاً في مركز المدينة فلجأوا إلى الخلاء، أقاموا بيوتًا وعششًا، واستأجروا مساكن أهلية “رخيصة” بنيت من دون تصاريح بديلاً عن الخلاء، لتصبح بعد سنوات “جزيرة الوراق”، “الدويقة”، “تل العقارب” وغيرها، هم أعداء للدولة، حالما تظهر لتلك الأراضي برامج “تنموية” ويلوح “تمويلها” في الأفق… وهنا بداية الطريق، ليس انتفاع سكانها، بل إبادتهم وتشريدهم. مائتا ألف من السكان في مساحة نحو ستة كيلومترات مربعة لا يزالون هدفًا للسلطة على مدار سنوات، بدعوى “المنفعة العامة”، كما لو أن “العام” لا يشمل الإنسان. هنا سيدة من سكان الجزيرة تقول حين هدمت السلطات منزلها قبل نحو ثلاث سنوات: “رحت أجيب أكل للعيال.. رجعت لقيت البيت مهدود.. يا تموتونا، يا تدونا حاجة”.

ويبدو أن الحل الأول كان أسهل، كما اتضح في عمليات إخلاء مدينتي رفح والشيخ زويد في شمال سيناء. لا يحبذ سماسرة “التنمية” وجود القبائل البدوية البدائية، ولو كانت سكان الأرض وملاكها الحقيقيين، فهذا سبب كاف لإزالتهم عن بكرة أبيهم، فضلا عن تصورات عدائية طال تبادلها بين السلطة وأهالي المنطقة منذ تفجيرات طابا ونويبع سنة 2004، ثم 2011، وما بعدها، أحداث عنف لم يعتد عليها أهالي تلك المناطق لعقود من تعاملهم مع السلطة، بعد أن كانت هذه تمتنّ لزعماء القبائل رفض تدويل المنطقة عام 1968 في مؤتمر “الحسنة”.

في سنوات قليلة، تحول الأبطال إلى مجرمين يجب التخلص منهم، ولو أن إخلاء جزيرة الوراق يستغرق وقتًا لقرب سكانها “مكانًا” من المركز الحضري، وبالتالي درجة “انكشاف” الجرائم أمام المواطنين، فعمليات الإخلاء لأهل السواركة والإرميلات على الحدود كانت أسرع وأكثر تكتمًا، في ظل قطع السلطات كل وسائل الاتصال بسكان المنطقة، ومنع شبه تام لدخول البضائع والوقود.

لم تكتف السلطات بتهجير قرابة مائة ألف مواطن من مساكنهم، بل أصرّت على أن تهدم المنازل وتقلع الأشجار وتجرف المزارع، وتهدم كل المرافق الرسمية والخاصة، بما فيها المدارس والمستشفيات والإدارات التعليمية، لتصير المنطقة بأسرها “خلاءً” لـ “مشروعات” لا تعني المواطن في شيء، لكنها لا تزال تسمّى “تنموية”.

لم تنته أحداث ميدان رابعة العدوية لتطبيع الدماء فقط، بل لتأسيس كيان سياسي جديد، لا يمت للمشروعية بصلة، ولا علاقة له بأطروحات السلطة التي نعرفها، بالمسؤولية عن وطن، بمستقبل أبنائه ومعايشهم. .. كيان هدفه تقديس “رموز شخصية” بعينها، “لطائفة” بعينها تحوز المال والسلاح والسلطة معًا، ولا تُساءل من أي جهة خارجها ولا من داخلها. طائفة يراد لها أن تتصدّر، لتجرف مع الدبابات يوم الفض أمة ووطنًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى