مقالات مختارة

رسائل ومسائل في قضية المعتقلين.. سيف الدين عبدالفتاح

تدافعت إلى ذهني عدة أمور وأنا أحاول الكتابة في موضوع المعتقلين، خاصة بعد تلك الرسالة التي قيل إنها مسربة من سجن طرة، وتضمنت جملة من الأفكار؛ خاصة المسألة التي تتعلق بالصمود وغير ذلك من أمور..

تدافع إلى ذهني إعلان السيسي وهو في قمة السبع في فرنسا بأن لديه في مصر 40 ألف جمعية حقوقية، وكأنه أراد أن يزعم ضمن زعمه أن الحقوق يمكن أن تصان بعدد جمعيات حقوق الإنسان، ولم يلحظ (مع عدم تصديقنا لهذا الرقم المبالغ فيه يقينا) أن كثيرا من هذه الجمعيات ليس لها من اسمها ومن عملها إلا اسم ويافطة، وأن قليلا منها تُعد على أصابع اليد الواحدة معروفة بنشاطها وثبات مواقفها وتبني قضايا المعتقلين من دون أي تمييز أيديولوجي أو سياسي..

وتدافع إلى ذهني أيضا في ذات الوقت تلك المقالة التي كتبتها في الأسبوع الماضي أنهي على نظام التعذيب حين استدعى إلى أرضه مؤتمرا لمناهضة التعذيب، وفندنا تلك المقولة وأشرنا ونحن نكتب هذه المقالة إلى تراجع الهيئة الأممية عن انعقاد هذا المؤتمر في مصر بعد حملة من وسائل التواصل الاجتماعي؛ فضلا عن بعض الحقوقيين الشرفاء في داخل مصر وخارجها.

ومن المؤسف حقا أن يتبنى ذلك ويهاجم مندهشا؛ المجلسُ القومي لحقوق الانسان، الذي أسميناه يوما “المجلس القومي العسكري لحقوق الإنسان”، بما يقوم به من دول المحلل “التيس المستعار” الذي يحاول أن يُمرر جريمة أو يحتال على موقف.. وكذلك فقد تسارع إلى ذهني ما كنت قد كتبته يوما من رسالة إلى المعتقلين أحييهم وأزكيهم؛ ولكن الوقت طال على هؤلاء الذين يصل عددهم إلى ما فوق الستين ألفا في سجون مصر المختلفة.

وقد شيد النظام الانقلابي الفاشي من السجون بحيث تضاعف عددها، حتى أقام سجنا أخيرا سماه “سجن المستقبل”. وفي هذه المرة وقد استبطأ المعتقلون موقفا وعملا يجعل أمر اعتقالهم عبئا على النظام؛ إلا أنهم وجدوا في النهاية أنهم ليسوا إلا موضوعا لمسألة كبرى تُمصمص فيها الشفاه وتدبج فيها الكلمات وتشيد بالصمود، دون أن تفعل شيئا على أرض الواقع.

تعاملنا مع جملة من التقارير من جمعيات حقوقية هنا أو هناك، في الداخل وفي الخارج، حاولت أن تبرز هذه القضية وحجمها المهول بحيث طال مئات الآلاف من الأسر، وجعل من هؤلاء وصمة عار في جبين كل مصري شريف لم ينهض للقيام بالعمل الواجب في جعل قضية المعتقلين قضية دولية دائمة وحقيقية على مائدة الاجتماعات الدولية، فيما نجح النظام الانقلابي في التعتيم على هذه القضية وعلى معظم انتهاكاته وجرائمه في حقوق الإنسان المصري.

ومن وحي هاتين الرسالتين كتبت تلك المقدمة؛ لا لأحاسب أو أنقد، ولكن لأستنهض الهمم في جعل ملف المعتقلين ميدانا لعمل حقوقي حقيقي متواصل ومتراكم؛ يحقق أثرا وانطلاقة نوعية في هذا الملف وفرضه على المائدة الدولية، بحيث ينفضح هذا النظام وتُدحض جرائمه وينكشف ملفه الأسود على رؤوس الأشهاد ويوضع في الزاوية، ما يجعل ملف المعتقلين محكا ومختبرا لفاعلية المعارضة وقدرتها على المبادرة والتأثير، والقيام في هذا الملف بما يستحق أن يقام عليه لحدوث هذا الاختراق النوعي.

الرسالة الأولى

سألني طارق الذي لم أقابله إلا اليوم؛ عن تلك المبادرة، فقلت له رأيي كمن يلقي محاضرة منطقية.. كان له منطقه الذي لم أفهمه، كل ما فهمته “زورا” أنه يزايد مزايدة رخيصة.

قلت حديثا منمقا عن أن المعتقلين مصريون بلا انتماءات، ولا يجب أن تذكر انتماءاتهم في الحديث، وأن معاناتهم معلومة ويتحملها النظام المجرم، وأنها مفهومة رغبة بعضهم في الاستسلام يأسا من واقع بالغ السوء، وأنه في المقابل يوجد آخرون لا يرغبون في ذلك.. وسألت إلى من توجه تلك المبادرة، فقال النظام، قلت فهل سيقبلها؟ وهب أنه قبلها، فمبروك، فليطبقها من أطلقها ومن وافق عليها وكل التقدير له.

قلت حديثا منمقا كثيرا وظننت أني أدير الحديث باحترافية، حتى احتد طارق قائلا كلاما من هنا وكلاما من هناك بلا أدنى ترتيب، حتى تيقنت أن هناك مؤثرا نفسيا يمنع الفهم بيننا. احتددت في مقابل الحدة ورشقته في مقابل ما رشقني بالألفاظ.

اعتذر طارق وبكى في مقابل رغبتي في الانصراف، وحين لم أنصرف وحادثته من جديد فهمت المؤثر النفسي

شقيق طارق مختف قسريا منذ أسبوعين، وطارق قد اعتقل بالعزولي لسنتين ذاق فيها صنوف العذاب، وهو يقول في وقت اعتذاره إن ما مر به ليس بهين أبدا والبكاء يصدق حديثه، وهو ها هنا منسحق فقط ليقضي يومه ولا يعلم شيئا عن غده.

فليذهب المنطق وحديثي المنمق إلى سحق الجحيم إذا، وليبق تقدير الألم ورغبة الخلاص في نفوس من قد أيأستهم ضبابية الرؤية.. والصمت في حرم الألم واجب إن يعجز المنطق والحديث المنمق عن المداواة.

الرسالة الثانية

المبادرة هي كاستسلام دون مقابل.. إعلان الهزيمة في النفوس، وإعلان استسلام للثورة.. النظام يبني السجون ويسميها سجون المستقبل، لكن الأمل لا يزال في النفوس، وثلثي الشعب من الشباب، والنظام يقف عاجزا عن تلبية احتياجاتهم وتطلعاتهم.. النظام يدرك أن الأمور لا تسير على النحو الصحيح، وأن الشباب يستعصي على الاحتواء.. النظام يريد هزيمة الشباب ماديا ومعنويا، ويريد إخضاعهم وإذلالهم.. هذه ليست المبادرة الأولى، وهذه ليست الرسالة الأولى..

مشكلتي هنا أن المبادرة لم يطلقها النظام ولا طرف له قوة أو حيثية لتنفيذ المبادرة، كل ما في الأمر هو هزيمة النفوس وهزيمة ذوي المعقتلين، وإرهاب الشعب والناس.

مشكلتنا هنا في النخب التي انصرفت إلى أمورها ومصالحها، وتركت الشباب يذوقون العذاب في السجون.. مشكلتنا هنا أن الشباب لا مانع عنده من أن يضحي، ولكنه أدرك أن من يدير الثورة ليسوا بثوار؟! هم لم يبيعوا فقط بل يتحدثون باسمهم بخطاب منفر (مضربناش حد على إيده)..

الموضوع لا يُتخيل، ففي السجون المهانة التي لا يقبلها الشباب في السجون على الرغم من التعذيب والنفوس التي ضعفت والكلاب التي توحشت واستأسدت على المسجون، إلا أن هؤلاء الشباب لا يزالون يمثلون أزمة للنظام. فكم من معتقل خرج أعاده للسجن؟ وكم من معتقل أخذ حكم براءة اختفى قسريا؟ النظام لا منطق يعمل عليه ولا ثوابت يستند عليها، فهو يرى المعادلة معادلة صفرية، وهو مذعور من شباب ناهض لا يزال متعلقا بثورة وأشواقها..

المهانة وذل الأهالي في الزيارات، ووقعها على النفوس لا يوصف وهو فوق التصور، شاب متزوج من أسبوع معتقل خمس سنوات وأخر رزق بمولود جديد وهو مختفٍ قسريا يفكر ليل نهار في مولوده الجديد..

يا ترى ماذا سموه؟ بل يا ترى هل هو ولد أم بنت؟ شاب آخر خطيبته اعتقلت، وبنت أخرى أمها سُجنت، وأم طفلها في السجن، وشيخ عجوز يشتاق لأحفاده يعلق صورهم بين صفحات المصحف.. في السجن يعيش المعتقل على الأمل، ينام ويستيقظ كل صباح ينتظر خبرا سعيدا.. ينتظر زيارة قصيرة.. ينتظر فرجا من الله.. في عدة أشهر يموت العشرات بسبب القتل البطيء من جراء الإهمال الطبي.. أنت يا مسجون لا تساوي شيئا..!!

السجان يقتل الجسد أو يرهقه، ولم يستطع حتى الآن أن يقتل الروح ولا شوق النفس.. المعتقل لم يقتله السجان بل قتلته النخبة التي باعت قضيته، بل يتاجر بها بعضهم ويرتزق من سجنهم وهمهم.

المبادرة إن كانت حقيقة أم مُهمة تقوم بها أجهزة السيسي لقتل الأمل في النفوس وإخضاع الشباب؛ ليس فقط بالسلاح بل بإخضاع النفوس وإذلالها. فالثورة ليست مادة ولا جسدا يقضي عليه، بل الثورة روح تسري في جسد الشباب.. إن نفخ الروح في جسدهم خرجوا بلا رجعة.. السيسي يغلق كل المنافذ وكل الأبواب التي تأتي منها الثورة..

أغلق الميدان، أغلق البرلمان، أغلق التلفاز، أغلق الجريدة، أغلق المواقع الالكترونية، أغلق البلد، ولم تبق له سوى النفوس يخنقها أو يقتلها.. من قبل عملية فض اعتصامي رابعة والنهضة والجميع يعرض المبادرات.. مبادرة سياسية، مبادرة “دية”، مبادرة مشروطة وغير مشروطة، مبادرات نسمع عنها ولم نر منها أي واقع عملي سوى أنها تخرج لتثبط النفوس وتهزم الشباب وتخذل الأمل..

أما آن أن نتدبر هذا الملف المتعلق بالمعتقلين، ونكون فيه مجموعات عمل تحمل هذا الملف وتعرّف به وتفضح الجرائم المرتكبة في حق هؤلاء باسم القانون تارة وجرائم أخرى تمارس خارج إطار القانون؛ في شكل ممارسة بلطجة الدولة وإرهابها بحق الإنسان والمواطن المصري.

وحتى يرتفع الخذلان عن هذا الملف ويُعطى الأمر ما يستحقه من وعي وسعي، ومن تدبر وعمل، ومن حركة راسخة تؤكد أن هذه المعارضة لا تزال تملك بعض الثقة في شبابها ومن شبابها، وإلا فلينقشع هؤلاء وليصمتوا، لتنهض نخبة جديدة من شباب مصر الأوفياء الشرفاء لتجعل هذا الملف مجال لحركة دائبة وعمل فعال وأداء يفضح النظام الطاغي الفاشي.. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

نقلا عن عربي21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى