مدونات

رسالة إلى صديقي المنتحر: لست أشجع منّي..حذيفة حمزة

 

خطواته واثقة، هامته منتصبة، طوله الفارع يضفي عليه هيبة خفيفة، ونظارته الشمسية التي لا يخلعها إلّا نادراً تضفي عليه غموضاً وتحجب أسراراً وقلقاً لا يعلم عمقهما إلّا الله. ليصبح التعرف عليه بعد ذلك هدفاً رئيسياً لكل الطلاب، خاصة الذين يسكنون في مبنى رقم 6 وتحديداً في الدور الرابع أين تشاركت أنا وإيمري -اسم مستعار- الطابق الرابع لأربع سنوات كاملة.

كنت غريباً لا أعرف أحداً في السكن بأكمله والوحيد الذي لا يتحدث التركية وإنجليزيتي ركيكة لا تسعف سوى للشراء والتحية فتخليت عن فكرة التعرّف عليه. هو أيضاً لم يكن يعرف من الإنجليزي سوى القليل ما جعل مهمة التواصل بيننا عملية معقدة للغاية من الصعب إتمامها. لكن إيمري لم يعبأ بكل هذا، ودون مقدمات فتح باب الغرفة دون أن يطرق ونظر لي وأشار لي بالخروج من الغرفة لنتحدث، فعل ذلك وهو يمسك في يده اليسرى زجاجة جعة وفي فمه سيجارة.

أمام إيمري تختفي كل كاريزما طورتها على مر السنين أو قدرة على الرفض اكتسبتها من تمردي إبان مراهقتي، فكاريزمته طاغية تذوب تحت أشعتها الحارقة كل الكاريزمات الأخرى.

استجبت لندائه وخرجت إلى الممر وتبادلنا أطراف الحديث الذي كان بداية لصداقة قوية، رغم تدخل تطبيق Google Translate المتكرر لترجمة كلمة أو إيصال معنى مفقود. أول ما أخبرني به إيمري كان أننا هنا جميعاً أخوة وأن كون أحدهم أجنبي أو تركي لا يعني شيئاً على الإطلاق، كما أكد عليّ طرق باب غرفته في حال تعرض إليّ أو قام بمضايقتي أحد القوميين المتعصبين وهو سوف يتولى الأمر بمعرفته. كان يقصد بوضوح أنه سيبرحه ضرباً وإهانة إذا جرأ أحدهم على ذلك. كما أكد عليّ أن أخبر الجميع أنني صديقه في حال نشبت مشاجرة داخل الجامعة أو السكن، وأن أتصل عليه في حال وقعت في أي مشكلة من أي نوع.

 خلال أربع سنوات، توطدت علاقتنا في الممر، تكلمنا في السياسة كثيراً، لم يكن إيمري من مؤيدي حزب العدالة والتنمية لكنه كان يؤمن بالديمقراطية ويحلم بالثورة.تحدثنا أيضاً في الدين وقضينا ليالٍ نتحدث عن الإله، لم يقبل إيمري حقيقة أن يترك الإله الأعظم عبيده تائهين وسط كل هذا الكم من الشرور في العالم الفاني. كان يريد علامة تخبره أن ثمة من في السماء يهتم لأمره. كانت الفلسفة فصلاً دائم الحضور في نقاشاتنا الليلية التي يحتجب فيها المعنى ويبدأ القلق في التسلل إلى أعماق كل منا، ونبدأ في الاضطراب والشك في كل شيء حتى أنفسنا.

على كلٍ، كل هذا صار جزءاً من الماضي ولن يتكرر مرة أخرى، في نهاية شهر يوليو/حزيران الماضي انتحر إيمري. هكذا دون مقدمات وبلا تلميحات أو ربما كنا جميعاً أغبياء ولم نستطع التقاط إشارات طلب النجدة والمساعدة التي كان يرسلها طوال الوقت. ربما زجاجات الجعة والخمر التي لم تكن تفارقه علامات على ما كان يمر به وربما لا، لا أحد يعلم ولن نعلم لأن كل هذا صار جزءاً من الماضي.أتذكر أنني كتبت يوم علمت بالخبر أن «أشجعنا المنتحرون» محتفياً بانتحاره. لكنني وفي ضوء انتحار شاب مصريّ آخر بعد أن ضاقت به الدنيا بما رحبت.أعيد التفكير مرة أخرى في هذه الجملة وهل الانتحار فعل شجاع بالفعل؟  رأيي أن الانتحار فعل يفيض بالشجاعة والنبل والحزن العميق، الانتحار هو إعلان الاستسلام التام بعد الحرب. والشجاعة هنا لا تعني عدم الخوف. أنا موقن أن جميع المنتحرين كانوا خائفين جداً وهم ينهون حياتهم بأيديهم، خائفين حد الرعب ورغم ذلك أكملوا طريقهم. وهم نبلاء لأنهم خاضوا حروبهم مع الاكتئاب والأفكار الانتحارية بشرف وحاولوا بكل نبل وإقدام مواجهته والتخلص منه، لكنه كان أقوى وأشد فتكاً مما يسمح لهم بمقاومته وهزيمته. ويفيض الحزن من دماء المنتحر على حاله وحال مجتمعه وعالمه الذين لا يستجيبون إلى لغة الدم والفقد ومعاناة الغياب ولا يسمعون سوى صوت النحيب ويصمون آذانهم عن الألم.لكن بنظرة متأنية يتضح لي أن مثل هذه المقولات عن المنتحرين ترسخ فكرة أن الانتحار فعل رومانسيّ جذاب، به كم من الجمال لا يقاوم. إن مثل هذه المقولات وغيرها التي تحتفي بالمرض النفسيّ والانتحار باعتبارهما مصدر فخر وقوة واعتزاز تجعل المجتمع أكثر تقبلاً للانتحار واحتفاءً به بدلاً من محاربته باعتباره ظاهرة مرضية يجب التداوي منها والقضاء عليها إن أمكن. إن التطبيع مع المرض النفسيّ وإزالة الوصمة الملحقة به أمر إيجابيّ بالنسبة للأفراد الذين يعانون من التهميش أو يقعون ضحية الكثير من المعتقدات الاجتماعية المضللة والزائفة عن المرض النفسي. لكن الإزالة التامة للوصمة تجعل المرض النفسي والانتحار يبدوان وكأنهما أمران طبيعيان يجب تقبلهما بدلاً من علاجهما.

يقول الأستاذ المساعد في الطب النفسي السريري، همام يحيى عن دور الوصمة: «في الأغلب الأعمّ، مساعي التقليل من الوصمة الاجتماعيّة أو الـ»stigma» مدفوعة بنوايا حسنة وطيّبة.. والحجّة التي تُساق في هذا السّياق مقنعةٌ إلى حدّ بعيد، ومفادُها أنّ علينا التقليل من شعور المصاب بالمرض النّفسيّ، والاكتئاب كمثال شهير، بأنّه مختلِف أو ضعيف أو مهزوز الشخصيّة أو ضعيف الإيمان، لأنّ هذا يحدّ من قدرتِه على الإفصاح عن معاناتِه وطلب المساعدة، ولأنّ هذا قد يزيدُ اكتئابَه وعزلتَه سوءاً.. هذه حجّة معقولة وذات وجاهة كبيرة (….) للوصمة دورٌ اجتماعيّ مهمّ في الإبقاء على المشكلة باعتبارِها مُشكِلة.. الوصمة تؤذي الأفراد بالطبع، ولكن الاستجابة الصحيحة ينبغي أن تُركِّزَ أساساً على تقديم علاجات ناجعة لمشكلتِهم ومعاناتِهم بقدر الإمكان، لا التركيز على تغيير صورتِها بما يُعطي صورةً زائفةً مُخفَّفة من فداحة آثارِها والمعاناة الناجمة عنها».المنتحرون ليسوا وحدهم الشجعان، نحن أيضاً شجعان، أنا وأنت، البشر العاديون الذين لم يختاروا معاركهم، وهم يهزمون في أغلب المعارك التي خاضوها سواء كانت من اختيارهم أم لا ورغم ذلك لا يرفعون الراية البيضاء. فشلوا في الحب، وهزمت مشاريعهم السياسية تحت جنازير الدبابات، ولم يصعدوا السلم الاجتماعي بعد، ولم تعرف الأصفار الكثيرة طريق حسابهم البنكيّ، ويتلقون النكبة عقب النكبة ولا يستسلمون، بل يتقبلون حزنهم وألمهم ثم يدخلون حرباً جديدة في معترك الحياة الذي لا يتوقف. هؤلاء يستحقون الاحتفاء أيضاً، لا يجب أن ننتظر أن ينتحر واحد منّا حتى نحتفي به ونتحدث عن محاسنه وذكرياتنا معه. الحياة أصعب من الموت، والموت أسهل كثيراً من الحياة دون ملعقة ذهب.     يحتفي شاعر العامية المصري مصطفى إبراهيم بهؤلاء في قصيدته (معملش حاجة تستحق الذكر) قائلاً:«ما عملش حاجة تستحق الذكر ..غير إنه واقف لسه على رجليه»

عذراً إيمري، لست أشجع مني يا صديقي.

نقلا غن  عربي بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى