مقالات مختارة

رمضان بالمصري.. مكلف مادياً مُفقر روحياً مع الكثير من التمثيل

محمود خليفة

“عُلم ويُنفذ”.. إنه رمضان بالنكهة المصرية المريرة، في زمن “إعلام المتحدة”، حيث الاحتكارات الكبرى للإنتاج والصناعة والعرض معاً، وكأن عقارب الساعة تدور للوراء في عودة صارخة لزمن تمثيلية “الساعة 8 مساءً”!

فجأة انقلب المشهد بين ليلة وضحاها، فمنذ عام واحد فقط، كان موسم رمضان يضمّ أكثر من 30 مسلسلاً متنوع الجهات إنتاجياً وفنياً، في إطار تنافسي، ويتمثل الربح الضخم لشركات الإنتاج وقنوات العرض من الإعلانات التلفزيونية، وكانت الأزمات تتمثل في ضعف التسويق أو رداءة السيناريوهات. لكن الجديد هذا العام أن رمضان هو موسم “إعلام المتحدة” بامتياز.

يذكر أن شركة “إعلام المتحدة” التي كان يرأس مجلس إدارتها تامر مرسي، والتي استحوذت عليها “إيجل كابيتال للاستثمارات المالية”، تمتلك عدة مؤسسات إعلامية من ضمنها قنوات “أون”، وجريدة “اليوم السابع”، و”صوت الأمة”، وتليفزيون “الحياة”، وموقع “دوت مصر”، وشركة “سينجري” للإنتاج الفني، وأسهم شبكة “سي بي سي”، فضلاً عن الشراكة مع “دي إم سي”.. يا لطيف يا رب.

“البقرة المقدسة”.. ربنا يرحم أيامها!

في الماضي القريب، كانت الإعلانات التجارية تهيمن على صناعة الدراما المصرية وتتحكم بمجرياتها، ونذكر في ذلك الصدد، تصدي الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة لهذا الانفلات الإعلاني، وكان يصفها بـ”البقرة المقدسة” التي يعبدها الجميع، وهدَّد بأنه لن يعرض مسلسلاته على الشاشة، وقال ساخراً “دي إعلانات متعاصة دراما”، إلا أنه قبل رحيله استسلم مثل غيره لطوفان الإعلانات.

هكذا كان حال الصناعة في الماضي، لكن الآن مع عهد “المتحدة”، الذي يتعهد برقابة أوسع، وسيناريوهات معلبة، وتوجيهات سيادية، وتشابه مضمون المسلسلات، مثلما رأينا في المواسم الرمضانية الماضية، والذي سيطر عليها رجل الشرطة والجيش من باشوات مصر، يزداد الأمر تعقيداً، مما يشكل تهديداً للصناعة الدرامية المصرية، والتي تنحسر في عددها وجودتها مقارنة بنظيرتها الخليجية واللبنانية والتركية.

الأمر الذي دفع المخرجة كاملة أبو ذكري، للخروج في منشور تحذر من مخاطر توقف الإنتاج الدرامي تماماً وقطع أرزاق لأكثر من 2 مليون عامل ينتظر رمضان من عام لآخر، وعلى غرارها خرجت الممثلة غادة عبد الرازق في منشور حول تلقيها تهديدات بمنعها من العمل بأوامر من جهات سيادية، قبل أن تحذفه سريعاً.

يريدونها شاشة ناصعة البياض

اللفظ الخارج بـ14.6 ألف دولار.. وإمكانية سحب ترخيص الوسيلة الإعلامية.. ومع ذلك ينفون المساس بحرية التعبير!

لم يكن الفن والسينما ومجالات الإبداع بمنأى عن مقص الرقيب الباطش، حيث يطل القمع بوجهه القبيح ليغلق أي متنفس للمجتمع، وهكذا خرج إلينا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام معلناً محاذير ومعايير أخلاقية “رادعة” ألزم بها كافة وسائل الإعلام وشركات الإنتاج، وحذر من مخالفة تلك المعايير في المسلسلات أو الإعلانات أو أي محتوى فني خصوصاً في شهر رمضان.

وكان “المجلس الأعلى للإعلام” حدد غرامة قيمتها 250 ألف جنيه (14.6 ألف دولار) على كل لفظ أو مشهد يتنافى مع المعايير المحددة من قبل المجلس، بالإضافة إلى حذف المشهد بالكامل، وتغلظ العقوبة المقرر فرضها على القنوات التي تبث مضموناً مخالفاً ما بين جزاء مالي إلى منع بث المادة الإعلامية، وفي حالة عدم الاستجابة لمعايير المجلس الأعلى للإعلام وتنفيذ الملاحظات والغرامات سيتم سحب ترخيص الوسيلة الإعلامية.

يريد المجلس شاشة معقمة خالية من الجرائم والتعاطي والانحراف، حيث يسبق الشارع بكثير الجرائم والانحرافات التي نشاهد شذرات منها على الشاشة، ويتحول العمل الفني لمدرسة أخلاقية وتربوية للمشاهد تملي عليه ما يقوله ويفعله، وليست مساحة للخيال والانطلاق والإبداع، بينما هم يريدونها دراما ناصعة البياض.

تأميم الاعتكاف

حتى الاعتكاف أُمِّم! ولقد اشترطت وزارة الأوقاف المصرية أن يتم الاعتكاف في مسجد جامع وليس بالزوايا والمساجد تحت العمارات والمصليات؛ وأغلب مساجد مصر هي الأنواع الثلاثة الأخيرة وخاصة في القرى والأحياء الشعبية. واشترطت الأوقاف أيضاً أن يكون المعتكف من أبناء المنطقة السكنية المحيطة بمسجد الاعتكاف، وأن يتم الاعتكاف تحت إشراف أحد أئمة الأوقاف أو أحد وعاظ الأزهر أو خطيب مصرح له من الأوقاف تصريحاً جديداً أو لم يسبق إلغاؤه، واشترطت الأوقاف أيضاً أن يتقدم المعتكف بيان بطاقته الشخصية لمشرف الاعتكاف قبل الاعتكاف بأسبوع؛ حتى يتسنى إرسال هذه الأسماء إلى الأمن الوطني للموافقة على الاعتكاف أو اعتقال المطلوبين أمنياً وهم كُثر!

وحتى الميكروفونات ممنوع استخدامها في صلاة التراويح، إنما الأذان وخطبة الجمعة فقط وعلى قدر الحاجة!

وأي زيادة متوقعة في الناحية الروحية مع هذا التربص الأمني وقانون الطوارئ والفقر صاحب الناب الأزرق الذي نهش أغلب المصريين؟!

حسابات معقدة

إن حسابات المصريين تزداد تعقّداً مع مجيء شهر رمضان؛ بالنظر إلى الارتفاع الكبير في الأسعار وثبات الأجور والتداخل بين الالتزامات المتعدّدة. ومع ذلك فإنهم يسعون للاحتفاظ ولو بجزء بسيط من روح الشهر. هو مجرد ثلاثين يوماً، لكنه مكلف مادياً، مفقر روحياً، مع الكثير والكثير من التمثيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى