مقالات مختارة

رمضان في “السجن” حاجة تانية.. هكذا كنا نتحايل على القضبان في “طُرة”

منذ شهر رمضان الماضي، ويحاول الفنان حسين الجسمي إقناعنا بأن “رمضان في مصر حاجة تانية والسر في التفاصيل”، معللاً ذلك بأن طعمه بطعم النيل، والحقيقة أن رمضان في مصر له رونقه الخاص حقيقةً، بعيد بمراحل عن كل الدنيا، ولكن ليس السر في التفاصيل، بل السر في المصريين أنفسهم، الذين يعطون للشهر الكريم حقه في الاحتفاء وحسن الاستقبال، وتنويع مظاهر الفرحة والبهجة بحلوله عليهم كل عام، لكن كيف يقضي المصريون في المعتقلات هذا الشهر الكريم بعيداً عن طعم النيل وتفاصيل حسين الجسمي؟

كيف استقبلنا رمضان في طرة؟

شهر رمضان بروحانياته ومظاهره البهيجة يعتبر حالة خاصة مع المصريين، تشعر وكأن الشهر كله باقة من السعادة يجب أن تستخدمها كلها بصورة مكثفة حتى تحصل على أكبر استفادة، فكيف يحدث ذلك في سجون مصر؟ في عام 2013 قضيتُ برفقة 40 معتقلاً الشهر المبارك بأحد سجون طرة، وتحديداً في زنزانة 4 أمتار في 20 متراً، تجربة جديدة ومختلفة تضاف لتجربة السجن نفسها.

وكالعادة سعينا للتعايش مع واقعنا حينها، فقبل رمضان بأيام قليلة جمع أحد الرفاق كل أكياس الطعام البلاستيكية وأوراق الكرتون المقوى، وصنع منها زينة رمضان بطول الزنزانة وعرضها، كان “حسين” الذي اعتقل أثناء فض ميدان رابعة العدوية لا علاقة له بكل ما يحدث، فقط ذهب إلى هناك ليسعى على رزقه ورزق ابنه الصغير، فيبيع للمعتصمين أكواب الشاي الساخنة، فكانت الزينة التي صنعها “حسين” هي الإعلان الأول لنا عن قدوم شهر رمضان في تلك التجربة الجديدة، وأصبحت من اللطائف التي خففت من مرارة قضاء رمضان خلف تلك الأسوار والأبواب.

يوم في حياة معتقل صائم

يبدأ المصريون يومهم في رمضان على أصوات المسحراتي قبل الفجر بساعات قليلة، من أجل تناول وجبة سحور تجعلهم يصمدون حتى أذان المغرب، يسير وسط شوارعهم ينادي “اصحى يا نايم وحد الدايم.. رمضان كريم”، مع ذكر أسماء أطفال المنطقة، بينما في السجن الأمر يختلف كثيراً، فكل الحياة هي تلك الأمتار القليلة التي تتسع لها الزنزانة، هي الشوارع والمساجد والمنازل، فيكفي أن يقف أحد المعتقلين وسط الزنزانة قائلاً: “يا عباد الله هبوا.. ليس غير الله ربٌّ”.

يستيقظ المعتقلون وأولهم مجموعة “الخدمة”، المكلفة بتحضير السحور والإفطار في هذا اليوم، فتعد وجبات خفيفة من الطعام المتاح بالزنزانة، وفي أغلب الأحوال هي أجبان وفول وبيض، ثم يجلس الجميع بجانب بعضهم البعض لتناول وجبة السحور وشرب القليل من المشروبات الساخنة قبل أذان الفجر والصلاة، تتبعها صلاة السنة وأذكار الصباح.

الفارق بين رمضان خارج المعتقل وداخله

أهم ما يميز قضاء رمضان داخل المعتقل، خاصة عندما يتوفر الحد الأدنى من الحياة الآدمية، أنه يتحول لمعسكر إيماني حقيقي، مثل الذي يبحث عنه المصريون في الحرية كما يقول السجناء الجنائيون، كل التفاصيل حولك تدعوك لقضاء شهر رمضان إيماني بامتياز، حلقات الذكر ودروس الفقه والعقيدة، وقراءة القرآن، حالة التآخي والمحبة بين الجميع، حضور الصلوات في جماعة، وتكبيرة الإحرام، فلا مجال للتأخير عن المسجد، فالمسجد هو البيت، التراويح والتهجد والدعاء والتجمع على السحور والإفطار، طعام واحد دون تفرقة، بل “يسعى بذمَّتِهم أدناهُم ويردُّ عليهم أقصاهُم وهم يدٌ على من سواهم”، فإن كان في الحرية موائد رحمان لإفطار الصائمين، فالزنزانة كلها مائدة واحدة تسع من الحبايب ألفاً.

في أحد التفتيشات المفاجئة على غرفتنا، استغرب رئيس المباحث من أن كل الزنزانة مفروشة بنفس الطريقة وبنفس عدد البطاطين، وأنه لا يوجد فرق بين غني أو فقير، رغم أن الزنزانة كانت تشهد حالة عجيبة من التنوع والاختلاف بين الطبقات الاجتماعية المختلفة والمستويات المادية أيضاً، فأخبره مسؤول الغرفة أنه لا يوجد تفرقة بيننا، وكلنا إخوة ومعتقلون لنفس الأسباب.

يمنحك رمضان في طرة فرصة عظيمة لعدم مشاهدة كل أجزاء الاختيار، وغيره من مفسدات الصيام، فلا تلفاز ولا غيره، فقط بعض الجرائد إن سمحت الظروف، وربما نلتقط إشارة الراديو لإحدى المحطات الإذاعية، فنعرف ما يحدث في الخارج، بينما في الحرية ينتظرك قرابة 50 مسلسلاً كل عام، من أجل تسلية صيامك، فتلك ميزة أخرى لرمضان في المعتقل.

كيف نتحايل على ظروف السجن خلال رمضان؟

لو حدث ونسيت أن تطلب إفطاراً من مطعمك المفضل يمكنك أن تذهب لأقرب “سوبر ماركت” لتشتري ما يسد رمقك، وإن لم تستطع أن تذهب لزيارة أمك في أول يوم فيمكنك أن تعوض ذلك في أيام أخرى، لكن في المعتقل هناك مواعيد لكل شيء، الأبواب تفتح بمواعيد، وتغلق كذلك بمواعيد، الإضاءة لها مواعيد، الزيارات إن حدثت لها مواعيد ومواقيت خاصة، وللزيارة حكاية خاصة.

إن كان للمعتقل أولويات هامة في فترة اعتقاله ربما يكون أولها أن يحافظ على صحته النفسية، وأن يتعايش قدر الإمكان، ولكن أهم تلك الأولويات هو أن يشعر أهله في الزيارة بأنه بخير حال، وكل الأمور طيبة، وفي رمضان كان هذا الشعور من الصعب بمكان، فكنا نلجأ لصناعة بعض الهدايا وفوانيس رمضان من الأوراق والكرتون وأي مادة يمكن استخدامها، حتى نساعد أنفسنا على توصيل ذلك الشعور.

المشروبات الباردة لها نصيب الأسد على مائدة رمضان، وكان من حظنا الجميل أن أحد السجناء الجنائيين عكف على عمل مشروب بارد كل يوم وتوزيعه علينا جميعاً، ولكن من حظنا السيئ أنه ترك كل المشروبات التي عرفتها البشرية، وقرر أن يهادينا بمشروب العرقسوس، ولكنها هدية مقبولة على كل حال، فكان معتقل آخر يأتي له أهله بالمشروب الرمضاني الأصيل “السوبيا” في كل زيارة، وكان ذلك تعويضاً من الله عن العرقسوس.

 الحاجة للماء البارد على الإفطار تصبح ضرورية في أجواء مثل تلك، وكانت الغرفة التي بجانبنا رزقها الله بمصدر للماء البارد، وكنا نأخذ منهم قبل رمضان، ولكن المعضلة الآن أن الزنزانة تغلق بعد الظهر، ولا سبيل للماء البارد قبل المغرب، فكان أن فكر أحد الرفاق في حيلة بسيطة، فصنع جسراً بين الغرفتين بحبل ربطه في النضارة الخاصة بكل غرفة، وهي النافذة الصغيرة في الباب، ثم يعلق بها زجاجات الماء، فيملأها معتقلو الغرفة المجاورة، ثم يسحب الحبل حتى تصل إلينا بسلامة.

ولكن كل هذا وأكثر ربما لا يحدث أبداً في ظل ظروف الاحتجاز والاعتقال غير الآدمية الموجودة الآن، فهناك الآن زنازين مكدسة بالمعتقلين، وفي غالب الأحيان لا يسمح لهم بالزيارات، ولا تفتح عليهم الزنازين أساساً، وإلى ذلك لا يقال إلا {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى