مدونات

سأخبر الله، تجربة الحياة لا تروق لي.. من داخل رواية “البطء”

سيد عبدالحميد

علی طريقته في غزل الحكايات، غزل هشام عيد رواية “البطء”، غزلها بخيوط رمادية وسوداء، والألوان المشرقة فيها قليلة، قد لا تُری، اللهم إلا ابتسامة هنا ومزحة هناك، عدا ذلك، فالرواية قاتمة، تتحدث عن فلسفة الموت، الكائن منذ سنين طويلة، منذ وجود الإنسان على قيد الحياة.

“لم تهزمني الصدمة فقد اعتدت كراهية الحياة ومجابهة القدر، الناس تموت، هذا منصوص عليه في العقد الأول منذ الأزل، أن تقبل الموت ما دمت قد أتيت ها هنا”.

العمل يدور حول الرجل الذي قد لا تتذكر اسمه طوال الحكاية، “أحمد” الرجل البطيء، الذي يكره الحياة، والذي يكره أبسط الأفعال، الرجل الصادق الذي لا يستطيع أن يزيف أقل الأفعال كي يحظى بالقبول بين الناس، منبوذاً، ومُهملاً، لا أحد يطيق صمته وثقله الواجم علی صدره.

“كنت خارج الحياة، الحزن والدموع لم يعودا ردود أفعال مناسبة، صرت كمن ينظر إلی حياته من الخارج، الفرضية نفسها رفضت التجربة”.

أن تحظی بوجه جامد لا يُعبر، لا تقوى على الحديث ولا تحبذه، تكره الشفقة والرتابة والأفعال العادية، وتری الأمور بعدمية، لا يهمك أحد، حتی الحزانى لا ينفذون داخل قلبك، ولا يتمكن أحد من رؤية ما بداخلك، لا تسعى للفت انتباه الآخرين لك، لأنهم اعتادوا صمتك فظنوا أنك لا تشعر.

“الموت هو اللحظة الأخيرة ثم الله”

لا شيء بعد الموت، صمت ثقيل، من رحل رحل، لا تطوله أحزاننا ولا بكاؤنا عليه، وحدهم من قبلوا حقيقة الموت هذه وشاهدوا أحباءهم يرحلون هم من يفقدون شيئاً بداخلهم لا يعود، ولا تضيء أرواحهم.
“سأقول لله في النهاية أن تجربة الحياة لم ترُق لي”

وكيف تروق الحياة لك وأنت وحيد، وأنت شؤم علی الأطفال الصغار الذين يلعبون معك، تتعلق مع صديق لك علی عارضة، تؤرجحه فيسقط وتُكسر قدمه، تُلقي حذاءً خفيفاً -شبشباً- في مياه النيل وتعود به بواسطة العصی، وحينما يفعلها صديقك الواقف بجوارك يسقط هو وتجرفه المياه، فينبذك الجميع ولا تجد لك أصحاباً، تتعلق بكلب أليف فيصطادوه منك ويضعوه في عربة ويذهبوا به بعيداً، ولا أحد يهتم لحزنك، تتعلق بوالدك، فيتركك ويذهب بعيداً لغُربة، حتی الموت الذي قد ألفته يحرمك منه ومن لقائه، ويحرمك من دفنه في مثواه الأخير، كيف تروق الحياة هكذا؟!

“الحياة عقدة عسيرة الفكاك، لا ينجو من هصر قبضتها إلا من لم ينتبه لها وعاش ساذجاً”.

أنت تفرط، تفرط في إدراك مشاعر الناس لك، هم يعرفون أنك بارد وجامد، يظنون أنه لن تؤلمك كلمة طفلة صغيرة تنعتك بأنك “رخم”، ولن يحزنك أن ابن أختك يدعوك للتحلية بعد الطعام لمجرد أن الجوع داهمك بعد موت أمك بساعات قليلة.

“كن صادقاً في الحب ولا عليك، فلنكن نحن برهان الجدارة”.

الحب وذكره في هذا العمل تم علی طريقة الحياة السريعة، التي قد تجعل الناس تموت أو تفارقنا قبل أن نعبر عن حبنا لهم بصورة كافية. الأم الصارمة كجزع الشجرة أحبت أولادها ومنعتهم من التفرق، وحافظت بكل قدرتها علی جعل الوصل بينهم لا ينقطع، الحب الذي كان يحفظه بطل روايتنا إلی ابن أخته وإلی أخته وأمه لم يتم الإفصاح عنه، رغم وجوده، ولكن اللعنة علی فقر الكلمات الذي تمنحه الحياة لك كمنحة غير قابلة للرفض، يجعلك تعيش بين الناس، وهم أقرب الناس لك ولكنك تعجز عن قول أي شيء، أو حتی إبداء ابتسامة واحدة تبرز محبتك، رغم أنك آخر من يلامسهم وآخر من يودّعهم، ومن يضعهم في القبر، أوليس هذا تعبير عن الحب؟!

ولكن الناس تدرك أن هذا ليس إلا جمود قلب، مجرد برود أعصاب منك، أو لأنهم اعتادوا أنك لا تشعر بالحزن مثلما يشعرون.

“العمر لا ينتهي، بل الإنسان يسير بعمره نحو القبر”.

ذكر الموت كان أكثر من ذكر البطء، والرواية الجنائزية تلك أظن أن تسميتها “البطء” جاء لوصف قدوم الموت، رغم أنه سريع في عالم هشام عيد يأتي فجأة، لا يرقد من يختارهم الموت أكثر من ساعات قليلة، ثم يرحلون، مثلما يحدث في الحياة، وبطل العمل البطيء هو الوحيد الذي لا يبرز حزنه، ولا يستطيع التعبير عنه، ويكون حقده على من يستطيعون التعبير عن أحزانهم حزناً آخر علی حزن الفقد، وكأن حزن واحد غير كافٍ!

“الغرور والصلف قلعتان تقيان من سفاهة البشر”

أمر يظنه الناس بديهي، هو أن غرورك هذا نابع من ثقتك بنفسك وزهوك بها، قليلون هم من يستطيعون النفاذ داخل نفوس الناس ورؤية ما يخفونه، لا أحد يعلم أنه أحياناً يكون الضعف كائناً خلف القلعة السمكية التي يحتمي بداخلها البعض خوفاً من تلصص الناس علی أحزانهم.

“الموت هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس”.

قل لي كيف يمكن أن يكون هذا عملاً غير مشهور، ولا يسمع به إلا عدد قليل من الناس، رغم أن الفلسفة التي به وهي الحديث عن الموت والحياة والصلابة والضعف والرقة والقوة، رغم كل هذه الفلسفة فإن هذا العمل للأسف غير مشهور، ولم ينل حظه من النور الذي يغمر أعمالاً تافهة فارغة لا تجد بين طياتها كلمة تهز وجدانك أو تحزنك وتفرحك!

العمل عن كثب، يمكننا الحديث عنه في عدة مقالات، اللغة والسرد والحبكة والأشياء الفنية عديدة، لكني أتحدث عن العمل كحياة، كحياتنا، المدرسة الواقعية التي ينتمي إليها هشام عيد مدرسة الحياة التي لا تمنح البكالوريوس ولا الدكتوراه، ولكنها تمنح الخبرة، ووحدها تلك التي تجعل طريقة الحكي عبقرية، واختيار الألفاظ بعناية ودقة التشبيهات لا منافس لها، تجعلك لغتك سهلة كي تصل لكل الناس، ومُربكة لمن يريد التمحيص فيها وإيجاد ثغرة أو سهو سهاه الكاتب أثناء الكتابة، في رأيي فإن هذا النسق المرتفع ساهم في جعل العمل عبقرياً، لا يشبه غيره، هشام عيد يمتلك في جعبته حكايات مأساوية، يحكيها بصدق، بأدق التفاصيل، فقط يطلب منك أن تستطيع معه صبراً، كي تجد ما يمس قلبك ويرجفه.

“ميت بلا قبر يعني روحاً تائهة”.

الموت يحيط بنا، قد يلف في الجوار ويقتنص من الحواري والشوارع المجاورة من انقضی عمرهم، ولكنه يحاصرنا، تشعر بروحه الثقيلة، بوجوده، هو لا يخشی الإفصاح عن حضوره، ولكن من عايشوه وشاهدوا أحباءهم يرحلون هم من تصيبهم نفحة من نفحاته، يصيبهم الثقل، ثقل الظل والأنفاس، ويصيبهم الشوق لرؤيته، كي يكفوا عن السؤال عن ماهيته، وتكفّ روحهم المعذبة عن الاشتياق لمن رحلوا.

الحياة والموت خطان متوازيان، الحزن يعثر السائر على خط الحياة ويجعله يقطع خط الموت لينتهي كل هذا، والموت كالجبل، قائم لا يتحرك إلا بأمر الله، وبين الحياة والموت ناس وعلاقات ورابط، ومشاعر ثقيلة، وسعادة جمّة نخاف أن يصل لنا الموت بعدها؛ لأننا لامسنا نشوة الوجود الحقة.

“العزلة ناسبت كل مسالكي في الحياة. الوجود أسوأ اختيار، إذا كنت أجبرت عليه، فما الذي يجبرني علی مخالطة الحياة؟”.

-جنة من غير ناس ما تنداس- مثل شعبي يلخّص احتياجنا لغيرنا، الأمر غير المرغوب فيه أن يكون المرء وحده، منبوذاً، حتی لو قبلت ورضحت، تظل معذباً، تظل في السعادة ولا تجد من يشاركك، وتظل في الحزن تغوص ولا تجد من يقتلعك.

من جميع النواحي، وجدت عملاً آخر رائعاً للكاتب هشام عيد، عملاً لا يشبه غيره، يتحدث عن الناس بصدق، ويصف بطله بفرادة وقدرة تشريح لبواطن المشاعر بدقة، عمل أتمنی أن يكتب هشام عيد بسببه أعمالاً عديدة كي أقرأ له دون توقف.

“في النهاية عرفت أن الموت يحولنا جميعاً إلی أطفال لا تدرك طبيعة الفراق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى