مدونات

سد النهضة بين السيئ والأسوأ

سامح راشد - العربي الجديد

كنت في السادسة حين رأيت أسراب طائرات عسكرية تطير كالبرق فوق بيتنا، يقودها نسور الجو المصريون، بعد أولى الضربات الجوية في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1973. وبعد نصف قرن من هذا المشهد، سأقفز فرحاً كالأطفال إذا وجهت مصر ضربة لسد النهضة الإثيوبي، وسأسعد كأي مواطن صالح، لو قامت القاهرة بأي تصرف عملي قوي، لضمان حق المصريين في المياه، أي الحياة، وإحياء كرامة مُهانة وحق مُهدر. ولكن حسابات الحرب والقوة ليست بهذه البراءة الطفولية، ففي تلك السن الصغيرة لم أدرك أن الاستعداد للحرب استغرق ست سنوات. وأنها كانت عملية جماعية منظمة، تجاوز نطاقها مصر والمصريين، خاضتها معنا شعوب ودول أخرى. بالتسليح وبالتمويل ووقف تصدير النفط وبالمساندة الإعلامية والمقاطعة الدبلوماسية لمؤيدي إسرائيل. وغير ذلك من أوجه التآزر العربي وغير العربي. وبالطبع، لم أعِ وقتئذ أن كل هذه الخطوات والمواقف كانت مهمة، بل ضرورية، ليس لشن الحرب، وإنما لتحقق أهدافها.

هكذا هي الحروب.. دماء وتضحيات وأعباء، وتحالفات وتفاهمات وصفقات لكل مقابل فيها أثمان باهظة. وليس ذلك لتثبيط همّة أو إحباط عزيمة أو حثاً على تخاذل، وإذا كان الحق في الحياة مهماً فالكرامة أهم. لكن لا بد أن يعرف من لا يعرف ماذا تعني الحرب، وماذا عليه أن يتحمّل من أجلها. لمن لا يعرف، الحرب لن تكون على إثيوبيا وحدها.. وإنما على من وراءها وشركائها والمستفيدين من دورها الوظيفي في هذه القضية. إعلان الحرب سيكون على تمويل واستثمارات وتفاهمات وتحالفات. لذا لا بد قبل الإقدام على استخدام القوة، من تحييد شركاء إثيوبيا في مشروع السد، وإثبات أن تكلفة تعنت إثيوبيا مع مصر والسودان ستكون أعلى من أن تتحمّلها أديس أبابا وشركاؤها.

ليست الحرب طائرات قاذفة أو قنابل حارقة أو صواريخ خارقة وحسب. ولكي تحارب يجب أن تكون مستعداً وقوياً باقتصاد وموارد وتماسك داخلي حقيقي، وليس ظاهرياً أو انتقائياً. الحرب ليست نزهة ولا “طق حنك” في “توك شو”. وحين تحارب، تواجه خصوماً كُثراً وليس فقط عدوك المباشر، وعندها تكون مُعرّضاً لأزمات وتحدّيات وخيانات. لذا يجب إبعاد نافخي الكير ونفاثي العقد من دوائر القرار ومن المشهد كله. وبدلاً من توظيف الحس الوطني وحشد الناس لمساندة مطلقة ومفتوحة للسلطة، لا بد من تنحية الأُجراء والعملاء والحُقراء وإزاحتهم جميعاً إلى الوراء. وإدارة الأزمة بإجراءات وخطوات عملية، وليس بكلام لا طائل منه وجعجعة عمياء وشعارات جوفاء. وعلى الرغم من الخشية من مخاطر الحرب وتبعاتها، إلا أن الخشية من الخيارات الأخرى أشد. وقد كان من الممكن تجنبها جميعاً، الحرب وغيرها، لولا أن إدارة الأزمة تطوّرت من سيئ إلى أسوأ في السنوات العشر الماضية. على الرغم من تواتر إشارات الخطر وتراكم شواهد ترقى إلى مستوى الأدلة، وتعدد التحذيرات من أن المسار ليس صحيحاً، لكن أسمعت لو ناديت حياً. على ما في الحرب من مخاطر وتحدّيات، يظل الخيار المرعب في تجنبها بتسوية متهافتة غير عادلة، فالخطر كل الخطر في الهروب من الحرب إلى اتفاق جزئي معيب، لا تداري عيوبه حسن النيات. وفي “إعلان المبادئ” الكارثة عظة وعبرة لمن كان له عقل أو يَعتبر. لكن لا دليل ولا علامة على أي مراجعةٍ للأسس التي استندت إليها صياغة ذلك الإعلان، وليس مفهوماً سبب أو منطق الإبقاء عليه. بعد ثبوت قصوره واختلاله مرة بعد مرة ست سنوات.

أما وأن الأزمة تقترب من لحظة الحقيقة، فإما اتفاق بشروط مُنصفة وبنود مُلزمة وأسس عادلة، وإلا فأهلاً بالحرب، فالإنسان يعيش ويموت مرة واحدة، وتبقى ذكراه في أعماله واختياراته، فيخلده التاريخ أو يلعنه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات