مقالات مختارة

سعر “العيش” وقهر المعيشة

سامح راشد

صمتت كل الأصوات التي كانت تؤيد (وتبرّر) توجه السلطة في مصر إلى رفع سعر الخبز، السلعة الغذائية الأهم والأكثر استهلاكاً لدى عموم المصريين. وتوقفت على نحو مفاجئ حملة الدعاية والترويج التي تبنّاها الإعلام المصري الموالي للسلطة، والتي هدفت إلى إقناع المصريين بأن رفع سعر الخبز قرار حتمي، وليس خياراً يمكن مناقشته أو إيجاد بدائل له.

وفي دولة لا أحد فيها ينطق إلا بإذن أو يصمت إلا بالأمر، أقرب إلى المستحيلات أن يخرج هذا الموضوع من أجندة الإعلام، ويسقط من شريط الأخبار بهذا الشكل الجماعي والمتزامن، على سبيل المصادفة أو توارد الأفكار. وعلى أهمية فهم ذلك التراجع المفاجئ في حملة التبرير والدعاية، يظلّ الأهم فهم أسباب التفكير في خطوةٍ غير مسبوقة، مثل رفع سعر الخبز، وتفسير أبعادها السياسية والاقتصادية ودلالاتها، لجهة طريقة إدارة الدولة ومنهجيتها ورؤية حكامها لوضعية الشعب ووزنه النسبي في منظومة الدولة والحكم.

يتأكد يوماً بعد يوم أن تحصيل الأموال من جيوب المصريين هو الخيار الأقرب دائماً إلى قلب السلطة والسلطة، فلم تجتهد دوائر الحكم والقرار في البحث عن طرق عملية وفعالة لترشيد الدعم العيني المقدّم للمصريين، وانصاعت بشكل فوري، وبلا أي مناقشة أو تفكير، لوصفة صندوق النقد الدولي. على الرغم من أن البدائل قائمة ومجرّبة في دول أخرى، بل وكادت مصر نفسها تطبق بعضها من قبل. مثال ذلك مشروعٌ لم ير النور، لتقنين دعم وقود السيارات باستخدام كروت ذكية تمنح لأصحاب السيارات، وتحدّد حصصاً مقرّرة ومتفاوتة بين شرائح المجتمع حسب مدى احتياج كل منها الدعم.
من شأن ذلك الاستسهال، واستضعاف المجتمع على المدى البعيد، أن يُفقد شعارات السلطة وخطابها الناعم صدقيته. خصوصاً مع تكرار التناقض واتساع الفجوة بين الخطاب الاسترضائي والسلوك الجبائي. وليس واضحاً مصدر جرأة الرئيس عبد الفتاح السيسي في انتهاك “حرمة” الخبز لدى المصريين، ولا على ماذا يراهن وهو يكرّر خطوة سبق أن اتخذها أنور السادات ثم تراجع عنها بعد يوم، بسبب اندلاع تظاهرات شعبية عارمة احتجاجاً على رفع أسعار الخبز قرشاً والسكر قرشين. عرفت تلك التظاهرات باسم انتفاضة 18 و19 يناير 1977. والتي تركت بصمة قوية ظلت ماثلة كشبحٍ مخيف أمام أعين القائمين على إدارة الدولة في مصر أربعة عقود. إلا أن السيسي لم يتعظ من تجربة السادات، بل زاد الأمر سوداويةً وهو يعلن نيته رفع سعر الخبز، إذ عقد مقارنة بين سعر رغيف العيش (الخبز) وسعر السجائر. فوضع “عيش” المصريين والقوام الرئيس لوجباتهم اليومية الثلاث في سلة واحدة مع سلعة كمالية يستهلكها المدخّنون فقط.

لعل فورة الغضب الشعبي وموجة الاستهجان التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية هي التي أصابت الإعلام الموالي بالخرس، وربما تُفضي إلى مراجعة القرار، وتعليق تلك الخطوة، خصوصا أن خبراء ومختصين في السياسات الاقتصادية والمالية طرحوا خيارات فعالة أخرى بديلة لرفع سعر الخبز، من شأنها توفير الحصيلة المالية المطلوبة من دون إضرار بالفقراء.

وفي كل الأحوال، بات واضحاً أن حالة اغترار وغباء سياسي بدأت تتسلّل إلى مطبخ الحكم ودائرة القرار في مصر، لكن المثير للدهشة، وما يدعو إلى الرثاء حقاً، هو موقف المطبّلين وكذابي الزفة، الذين يجارون توجهات السلطة أياً كانت، فبدلا من التنبيه إلى خطورة المساس برغيف الخبز، القوام الأساس لغذاء أكثر من 70 مليون مصري ثلاث مرّات يومياً، أو على الأقل التزام الصمت، راح أولئك المؤيدون دائماً وأبداً يُزينون ما سوّلت للسيسي نفسُه من استيلاء على أقوات الفقراء و”عيشهم”. وسواء نفّذ قراره برفع سعر الخبز أو تراجع، فإنّ سحرة فرعون هم الخاسرون، إذ يبيعون شعبهم لا من أجل أنفسهم، بل لحساب غيرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى