مدونات

سيد قطب” الأديب الذي ظلمته الإيديولوجيا”..إخليهن الأمين

مثلت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تحولا كبيرا على مستوى العالم، حيث كان ذلك بداية لسقوط حضارة هي الحضارة الإسلامية بعد أن ظلت تترنح لعدة قرون من الزمن بسبب ما أصابها من التآكل الداخلي وعوامل الضعف، وفي ذات الوقت كان ذلك بداية لميلاد حضارة جديدة على أنقاض الحضارة الإسلامية هي الحضارة الغربية.

وقد مثل هذا التحول مأزقا حضاريا بالنسبة للمسلمين، ولقد كان “أجمل ما في هذا المأزق الحضاري” -إن صح هذا التعبير- هو أنه تخلق في رحمه جيل من العملاقة الرواد -انتجهم التحدي الحضاري- في كافة العلوم والفنون، وفي مختلف البلاد الإسلامية.. وهو الجيل الذي ظلت الأجيال التي جاءت بعده عالة على إنتاجه الفكري، وإن طورت بعض نظرياته وتخلت عن بعض آرائه بسبب تراكم التجربة السياسية والنضج المعرفي.

وعند الحديث عن ذلك الجيل لا يمكن ذكر أسماء دون أن يكون الكاتب الأديب والمفكر الكبير الشهيد سيد قطب إبراهيم في مقدمتها.

فقد كان سيد أحد عمالقة الأدب والفكر؛ الذين اسهموا بالعديد من الدراسات والأبحاث المهمة في جوانب معرفية متعددة..

كان سيد كاتبا ساحر البيان، عميقا حين الغوص في نقاش المقولات والأفكار الفلسفية أو التعرض للجوانب النفسية في سلوك المجتمعات أو تحليل الظواهر الحضارية وتناول أحداث التاريخ، أو التعرض لتفسير القرآن وتناول حقائق الدين، وكتبه الفكرية شاهدة بتضلعه العلمي وسعة أفقه المعرفي ومقدرته على التحليل والتركيب وبناء الأفكار والنظريات، سواء منها “العدالة الاجتماعية” و”خصائص التصور الإسلامي” و”مقومات التصور الإسلامي” و”هذا الدين” أو تفسيره “في ظلال القرآن”، وكتابه “معالم في الطريق” الذي ثار حوله الكثير من الجدل.

وكما كان سيد رائدا في مجال التنظير الفكري والفلسفي، فقد كان إلى جانب ذلك أديبا كبيرا، بل لعل هذه هي صفته الأولى، حيث كان من أوائل من نَطَّرَ للنقد الأدبي، فمارس النقد في كتابه البديع “كبت وشخصيات” الذي تعرض فيه لنقد المنتوج الأدبي العربي المعاصر بكل فنونه وأصنافه، ووضع أصول النقد وحدد مناهجه في كتابه “النقد الأدبي أصوله ومناهجه”، ولقد شهد له الأديب الناقد إحسان عباس بأنه من أعظم الأدباء النقاد في العصر الحديث، كما وضع سيد نظريته عن “التصور الفني في القرآن” وطبقها في كتابه عن “مشاهد القيامة في القرآن” وتفسيره “في ظلال القرآن”.

وقد مثلت هذه الكتب جميعها إسهاما جليلا في مجال النقد والدراسات الأدبية لم يقترب منه إلا قلة من الناس. لم تكن هذه الكتب تقل شأنا عن “عبقريات العقاد” التي تمثل قمة إنتاجه، ولا عن رسائل الرافعي وكتبه البديعة، ولا عن كتب طه حسين وسردياته حول النقد وفنون الأدب، إن لم تكن في مستوى أرفع منها، بل إنها في مضمونها الفلسفي أرفع شأنا منها بكل تأكيد، ولا أحسب عارفا بشأن الأفكار يتردد في هذا الحكم.

ولكن عامل الإيولويجيا وصراع التيارات الفكرية المختلفة في العالم العربي هو الذي جعل التيارات الفكرية ذات التوجهات الحداثية المسيطرة على الحكم في الدول العربية تبرز أسماء وتلمعها في عالم الثقافة وتضع أفكارها وأطروحاتها ضمن المقررات الدراسية، لا بسبب تألقها العلمي وإنما بسبب قربها الإيولوجي، وتواري التراب على أسماء أخرى بل وتعمل على طمسها والتقليل من شأنها، لا بسبب ضعفها المعرفي وإنما بسبب مخالفتها في الموقف الفكري، وهذا ما حدث مع سيد قطب حيث كانت خصومته مع عبد الناصر وإنتماءه الفكري للإسلاميين وراء إقصائه، وطمس إنتاجه الفكري والأدبي، بحيث لا تدرس أفكاره ونظرياته ضمن المناهج الدراسية، ولا يذكر اسمه في المحافل العلمية، مما سيجعل الناشئة تجهله تماما، وتجهل أن من رواد النهضة العلمية شخصا لامعا اسمه سيد قطب. بل إن سيد لم يتم تجاهله على المستوى الرسمي فقط، وإنما تم تجاهله حتى من طرف الكتاب والنقاد الذين كان أكثرهم من العلمانيين، وبعضهم كان من تلامذته الذي تربوا على فكره وفي أحضان مدرسته، بل سلخ بعضهم أفكاره ونسبها لنفسه وتجاهل ذكر اسمه!

ولا بد هنا من الإشارة إلى مسألة، لا يمكن أن نمر دون نقاشها وتمحيص القول فيها، وهي ما يثار حول آراء سيد وأنها كانت تحمل فكرا عنيفا وتكفيريا. لا أنكر أن آراء سيد قطب لا تخلو من القسوة على خصومه ومن العنف اللفظي في بعض الأحيان، ولكننا نرتكب الخطأ حين نقرأ آراء سيد قطب في غير سياقها الزماني الذي ولدت فيه ونسقطها على سياقنا الحالي دون النظر إلى الفرق بين اللحظتين. لقد كانت آراء سيد قطب التي انتُقدت عليه بنت لحظتها وسياقها. صحيح أن قلم الأديب صاغها في بمستوى من التعميم والإطلاق، ولكن ذلك لا يخرجها عن سياقها حين نعرف العناصر المكونة لذلك السياق.

لقد كان العصر الذي ولدت فيه أفكار سيد قطب هو “عصر الاستبداد والإيديلوجيا” بحق، ولم تكن خطب جمال عبد الناصر الموجهة للإخوان وممارساته ضدهم بأقل حدة أو قسوة من آراء سيد قطب، الفرق فقط هو أن سيد قطب نَظَّرَ لمواجهة خصومه بنفس أساليبهم التي يستخدمونها في الوصول إلى السلطة ولم يمارس العنف ضدهم، وعبد الناصر نظر للعنف في خطبه ومارسه في أبشع صوره. بل كانت دول عديدة في العالم العربي تحكمها الحركات الإديولوجية؛ وبشكل خاص منها الحركات ذات التوجه القومي العربي، وقد استخدمت تلك الحركات الدولة وأجهزتها في ممارسة العنف ضد خصومها الإيديولوجيين في أبشع صوره.. وكان خطاب الكراهية والتكفير والمصادرة هو الخطاب السائد الذي تتردد أصداؤه في رواق الحركات الإيديولجية المختلفة وفي تعبيراتها المعلنة..

إن الكراهية والعنف مرفوضان، سواء تمت ممارستهما باسم الدين أو باسم التقدمية والحداثة، ولا ينبغي أن نكون انتقائيين، ندين أحد الطرفين ونسكت عن الطرف الآخر. لقد أثرت التهم الجزافية التي وجهها العلمانيون لسيد قطب على موقف الإسلاميين منه، حيث أن بعض الإسلاميين بات يبدي تخوفه من تبني سيد خوفا من أن تلصق به تهمة التشدد، ولا أرى ذلك في بعض جوانبه إلا نوعا من الضعف أمام الإرهاب الفكري الذي تمارسه التيارات الحداثية على الإسلاميين. فإذا كانت التيارات الحداثية لا تستحي ولا تخجل من تبني دواعش العلمانيين، مثل فرج فودة ومحمد أركون والطيب تزيني ونصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور، فكيف يخجل الإسلاميون من تبني شخص مثل سيد على فرض صحة تهمة التشدد على أنها لا تثبت عند التمحيص، وإنما كانت آراء سيد التي تم انتقادها متعلقة بسياقها كما قدمنا، ولم تكن تشددا، بل كانت مواقف عزة في مواجهة الطغاة الشوفنيين الذين يمارسون الرجعية والإقصاء باسم التقدمية ويلبسون مواقفهم بالعبارات الطنانة والشعارات الجميلة، وهم أبعد الناس عن التقدمية وألصقهم بالرجعية.

من الحق أن يقال أن فكر سيد حول الدولة تجاوزه الفكر الإسلامي، وليس هذا مقتصرا على فكر سيد وحده، وإنما يتجاوزه إلى معظم الرواد الأوائل مثل محمد عبده والبنا والمودودي، فقد كان فكرهم حول الدولة متلائما مع مستوى التطور السياسي في العالم الإسلامي في زمنهم، ومحكوما بتجربتهم وممارستهم السياسية. ومعلوم أن الفكر السياسي إنما ينشأ وتتطور نظرياته من خلال الممارسة ومعالجة الشأن العام، لأنه شأن دنيوي، ليست فيه نصوص تفصيلة، وإنما تحكمه قواعد عامة.

نقلا عن مودنات الجزيرة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات