مقالات مختارة

شروط المصالحة بين الإخوان والسيسي

ابراهيم الديب

المصالحة تعني: إصلاح ذات البين، وعلاج أسباب الخلاف، وإعادة رسم العلاقة في ظل قوانين جديدة يتراضى ويتعاقد عليها الطرفان.

والبين هنا هما طرفا النزاع في مصر: تنظيم الجيش بقيادة السيسي الذي يقود دولة الجيش في مصر منذ عام 1952 وحتى الآن، وتنظيم الإخوان المسلمين الذي تأسس في عام 1928م.

والطرفان يمثلان القوتين المنظميين الوحيدتين في مصر، وهذا للأسف، مما تسبب في ضعف الحياة السياسية وركودها في مصر؛ لأسباب تاريخية بدأت مع عصر عبد الناصر ثم السادات ثم مبارك. وكل هذه الأنظمة كانت تهدف إلى إقصاء القوى السياسية كافة في مصر، والتخلص منها، وتجريف أية قيادات يمكن أن تشكل نقطة ارتكاز لتجمع شعبي في مواجهة النظام العسكري الحاكم.

ولأسباب متعددة، لم يصمد في وجه هذا التحدي إلا تنظيم الإخوان المسلمين، حتى جاءت ثورة يناير2011 م وفتحت الطريق لتقوم قوى اجتماعية وسياسية متنوعة، بمحاولة التأسيس لنظام وحياة سياسية جديدة في مصر، حتى جاءت أحداث حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو 2013م، لتقضي على هذه التجرية الوليدة في مهدها، وليعود المجتمع المصري إلى المربع الأول في شكل صراع غير متكافئ بين قوتين غير متماثلتين؛ هما تنظيم الجيش المتسلح بكل إمكانيات الدولة المصرية، والإخوان المسلمون؛ التنظيم الأعزل من كل قوة إلا قوة إيمانه بفكرته لبناء الإنسان والمجتمع ودولة الحكم الراشد؛ التي تحقق للمواطنين حريتهم وتضمن لهم كرامتهم، وتحفظ لهم حقوقهم عبر توزيع عادل لثروات الوطن، وتمنحهم فرصة المشاركة في الحكم والسلطة والقرار، عبر نظام ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة، بما يعزز مستوى الأمن والاستقرار في البلاد.

التاريخ والمدى الزمني للخصومة: منذ عام 1952م وحتى الآن.

موقف الشعب من التدافع والصراع بين الجيش والإخوان

في ظل عدم تكافؤ القوة بين دولة الجيش والإخوان، حافظ الشعب المصري على دور المشاهد المحايد متجنبا الصدام مع الدولة؛ بهدف تحقيق أكبر قدر من المصالح المتاحة من دولة الجيش المسيطرة، وخشية الوقوع تحت حصار وقمع وبطش النظام، ناهيك عن المساحة الجماهيرية الأكثر تأثرا بالدعاية الموجهة لتشويه وتجريم وقمع قوى المعارضة، وفي مقدمتها الإخوان.

وخلال فترة ما بعد ثورة يناير، خرجت مساحات واسعة من الشعب المصري لتعبر عن قناعتها بالإخوان، وأحلامها وتطلعاتها في مستقبل أفضل مع البديل الوحيد المتاح بعد سقوط رأس النظام السابق.

موجز الواقع الاجتماعي والسياسي للشعب المصري:

1- يعاني الشعب المصري الكثير والعميق من التداعيات الثقافية والنفسية لطول الفترة التي عاشها على مدار جيلين متتاليين تحت استبداد حكم دولة الجيش؛ نالت من رصيده الحضاري المتعلق بوعيه بكرامته الإنسانية وذاته الحضارية وحقوقه في السلطة والثروة والمواطنة الكاملة الحقوق والواجبات، التي أورثته القبول والتعايش والتوافق مع الاستبداد والظلم والقهر، مقابل ضمان أقل قدر من الأمن ومستوى المعيشة.

2- خيبة أمل الشعب المصري في الإخوان المسلمين بسبب ضعفهم، وعدم قدرتهم على قيادة المشهد ومغالبة العسكر وانتزاع الدولة من بين أيديهم وتسليمها للشعب.

3- عدم بلوغ نضج الوعي المجتمعي اللازم للشعب المصري، للدفاع عن ثورته وإتمامها للنهاية وتحقيق تحولات اجتماعية كبرى تؤسس لتحول سياسي نحو الديمقراطية والتنمية الحقيقية. راجع منسوب الوعي المجتمعي ودوره في تجارب الدول الصاعدة المماثلة مثل الأرجنتين والبرازيل وتركيا، لنكتشف ونتأكد من فارق الوعي المجتمعي اللازم للتحول الاجتماعي والسياسي بمصر.

4 – وقوع مساحات كبيرة من المجتمع المصري فريسة سهلة لحملات التضليل الإعلامي الممنهج، وآثارها النفسية في تجريم وتقويض أي بديل للعسكر، وتعزيز الإحباط والاستسلام للامر الواقع.

5- حالة الفراغ القيادي والفكري والمشروعاتي البديل للنظام.

6- انكشاف حقيقة مشروع السيسي، وأنه لا يمتلك أي مشروع لتنمية مصر ونهضتها، ولا يحمل سوى مشروع تمكينه وإحكام قبضته على السلطة في مصر، وأنه لا يختلف عن سابقيه، بل إنه يزيد عنهم سوءا في مجال احترام الحريات العامة وكرامة المواطن المصري والاهتمام بمعيشة المواطن.

7- وصول حالة السخط والغضب الصامت للشعب المصري إلى مدى كبير على شفا الانفجار، ولكن غياب البديل المتمثل في القيادة والمؤسسة والمشروع الضامن لتحقيق الأمن والاستقرار يضعه أمام المشهد السوري والعراقي والليبيي واليمني، مما يجعله يفكر كثيرا في عدم الخروج للتغيير.

قوانين المصالحة بين القوى غير المتماثلة

– بشكل إنساني عام في ظل القوى غير المتماثلة، يغيب القانون وتهدر الحقوق وتتلاشى الكرامة الإنسانية، وفي ظل حكم العسكر لا تفكير ولا توجه إلا استخدام القوة الصلبة والهجينة، ومع العسكر الأجدب قيما والأقل وعيا وحكمة، تصبح القوة الغاشمة هي الحل الأمثل.

– تحسب القيمة المضافة والوزن السياسي لكل طرف بما يملك من قوة وقدرات وممكنات فعل.

– ومن ثم لا مجال للعواطف والمطالبة والمناشدة والتسول، أو استمرار العيش في أوهام وأجواء وقوانين الأنظمة والمراحل السابقة التي كانت تتبنى سياسة توظيف القوى المعارضة والإسلامية في تعزيز شرعيتها، في الحكم بادعاء محاربة الإرهاب وحماية النظام الدولي من صعود الإسلاميين إلى الحكم، ومن ثم كانت تضطر إلى استيعابهم والتعايش معهم تحت سيطرتها، فلكل مرحلة قوانينها وأدواتها.

– يفرض قانون القوة والقدرة والممكنات نفسه على تفكير كلا الطرفين، بتكرار طرح عدد من الأسئلة مع كل تقدير موقف استراتيجي ربع ونصف وسنوي لكلا الطرفين.

من يحتاج المصالحة ويسعى في طلبها؟

بالتأكيد الذي يحتاج المصالحة هو الطرف:

– الأكثر تضررا ومعاناة، ورغبة في تغيير الوضع الحالي.

– الأكثر وعيا وتقديرا للمسؤولية الوطنية، وبحثا عن المصالح العليا للوطن ليصبح أكثر استقرارا وتفرغا وتوجها نحو مواجهة مشاكله الكبرى التي تهد أمنه القومي فعلا، خاصة أزمة الحريات وحقوق الإنسان المصري، وسد النهضة، وتراكم الديون، والتفريط المستمر في السيادة.. إلخ.

– الذي يمتلك أهدافا وطنية كبيرة، وقوة عزم وإرادة وحيوية ومرونة لتقويم نفسه وتطويرها، واستكمال جاهزيته لمسؤولية التغيير والإصلاح، بالخروج من أزماته والنظر إلى المستقبل والعمل له.

– الأكثر وعيا وتفهما للواقع الحالي، وللقوانين الجديدة لإدارة العلاقة في سياق التفاوض والمصالحة المفترض الوصول إليها، في ظل موازين القوة بين الطرفين.

الطريق إلى المصالحة

الطريق إلى المصالحة يحتاج إلى تعبيد، من خلال الإجابة على تعقيدات المشهد وأسئلته، ولهذا أدعو أصحاب الشأن والمهتمين إلى التفكير في الإجابة على هذه الأسئلة، التي ستطرح من داخلها أسئلة فرعية أخرى كثيرة، وفي المجمل، لإيجاد حالة من البحث الذاتي لدى كل فرد، وفريق عمل وأسرة وشعبة ومكتب إداري ومركز بحوث ومثقف وباحث وإعلامي.. حالة جماعية من النشاط الذهني والفكري الذاتي، تشكل تعبيرا عمليا عن تحمل المسؤولية الفردية والجمعية في المشاركة في صناعة حل للخروج من الأزمة وتطويره، وتمثل رأيا عاما داخل الإخوان من جهة وداخل النخبة والمجتمع المصري من جهة أخرى، فالكل معني ومسؤول عن حل الأزمة، التي تشكل جوهر الأزمة المصرية والعربية والإصلاحية عامة.

وبصفتي الأكاديمية المستقلة، سأطرح عددا من الشروط الواجب توافرها لدى الإخوان المسلمين بصفتهم الطرف الباحث عن حل للأزمة، في ظل إصرار وصلف الطرف الآخر المزهو بانتصاره الأولي النسبي، الذي تتآكل مقوماته في الحكم على مدار ثماني سنوات عجاف متتالية، تمت مناقشتها في مقالنا “قراءة استراتجية في تصريحات السيسي” في 20 أيلول/ سبتمبر 2021م، ولم يعد يتبقى له إلا خمسة مقومات يستند إليها في بقائه في الحكم.

المقومات المتبقية لنظام حكم السيسي:

1- سيطرة القوة الصلبة والاقتصادية للدولة، بعقيدة عسكرية وأمنية مزيفة، قوامها الدولة والشعب ملك للجيش، وتسخيرها في تعزيز قوته وسيطرته على مقاليد الأمور في مصر.

2 – عدم وجود القيادة والمؤسسة والمشروع البديل المنافس.

3- غياب الشعب المصري وخروجه المؤقت من الملعب، وصعوده إلى مقاعد المتفرجين بدرجاتها المتفاوتة، بداية من الدرجة الثالثة تحت الشمس الحارقة لمقاعد المدرجات الخرسانية، إلى الدرجة الثانية في الظل، ولكن على مقاعد خرسانية أيضا لا تتحمل الجلوس عليها لفترات طويلة، ثم الدرجة الأولى والمقصورة المرفهة بالتكييف وبالمقاعد الجلدية التي تقبل المكوث لفترات طويلة، والجميع يكتفي بمشاهدة مباراة الجيش والإخوان على حكم مصر.

4- ضعف الإخوان المسلمين وتفككهم، التنظيم الأساسي المنافس، وانشغاله بصراعاته وتفاصيله الداخلية وغيابه عن الساحة.

5- الدعم الدولي على مضض، المرهون بدفع تكاليف فواتيره باستمرار من مقدرات الوطن وسيادته، مع ملاحظة خروج أمريكا من المنطقة، وما صرح به الرئيس الأمريكي بايدن من أن الولايات المتحدة ليست ملزمة بمساندة أحد، وعلى النظم السياسية في المنطقة أن تتحمل مسؤولية نفسها بنفسها.

أسئلة السيسي ممثل دولة الجيش، التي يمكن اختصارها في ثلاثة أسئلة:

س1: ما مدى كفاية القدرة الذاتية لدولة الجيش في السيطرة على المشهد وإدارته، وفق أجندته الاستراتجية الخاصة بتطلعاته في البقاء في الحكم مدى الحياة؟

س2: ما القدرات الصلبة والناعمة التي يملكها الطرف الآخر، ومعرفته بأساليب الحرب الهجينة واستعداداته لاستخدامها، وما تمنحه من أوراق وممكنات فعل يمكن أن تشكل تهديدا على دولة الجيش؟

س3: ما المكاسب والخسائر المتوقعة من الاستمرار في سياسات القمع والسحق والتجريف الشامل لقوى المعارضة وخاصة الإخوان؟

والإجابة على مجمل هذه الأسئلة، تفصح لنا عن حاجة السيسي واستعداداته للتفاوض والتصالح.

أسئلة الإخوان المسلمين، التي يمكن اختصارها في:

س1: من نحن في هذا الصراع مع دولة الجيش؟ هل نحن تنظيم ديني سياسي، مجرد على أهدافه الخاصة، ومغلق على أعضائه، ومنعزل عن المجتمع؟ أم نحن حركة تحرر وطني في قلبها الدين والمشروع الوطني الحضاري، وهي ملك ومفتوحة لكل المصريين لتحقيق تطلعات الشعب المصري؟

س2: ما نوع الصراع الذي نعيشه مع دولة الجيش، هل هو ديني أم اجتماعي وسياسي؟

س3: في ظل معطيات الواقع الدولي والإقليمي والمحلي ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ودينيا؛ ما مهمتنا وأهدافنا الاستراتجية والمرحلية وبوصلة عملنا خلال المحطة التاريخية الحالية؟

س4: ماذا نمتلك من قدرات وممكنات فعل لتحقيق أهداف المرحلة؟

س5: كيف نتمكن من التطوير والتعظيم المستمر لقدراتنا المتنوعة لتعظيمم ممكناتنا على الفعل وإنجاز الأهداف الوطنية المنشودة؟

س6: ما الفرص المتوقعة والممكن صناعتها للاستعداد الاستباقي لها واقتناصها لتحقيق الأهداف الوطنية المنشودة؟

س7: كيف نصنع ونمتلك أوراق ضغط جديدة لتحقيق تطلعات وأهداف الشعب؟

بإيجاز من نحن؟ وماذا نريد؟ وماذا نمتلك من أوراق؟ وكيف نعظم أوراقنا لدفع الطرف الآخر للتفاوض؟

والإجابة في مجملها، تفصح لنا عن استعدادات وممكنات الإخوان للتفاوض والتصالح. وبالإجابة على هذه الأسئلة، يمكننا تناول استراتجية الإخوان لدفع السيىسي نحو التفاوض والمصالحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى