مقالات مختارة

شمّاعة عبد الناصر ودروس الربيع العربي.. نمر سلطاني

انتشرت، منذ ثورة الشعب المصري التي أطاحت حكم نظام حسني مبارك، تحليلاتٌ تحاول أن تشخّص الإشكالية في النظام الذي ثار الناس ضده. يدّعي كثيرون أن هناك ما يسمى “نظام ثورة يوليو ” الذي أسس دعائمه الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، ورفاقه، ومن ثم امتد عقودا. وفقا لهؤلاء، يتميّز هذا النظام بحكم العسكر والشعبوية والاستبداد الذي يتجلى بقمع الدولة الشعب وفرض إرادتها عليه. ثم يوظف بعضهم عبد الناصر في صراعاتهم الحالية، فيدّعي مناصرو عبد الفتاح السيسي بشكل فج أن السيسي هو ناصر الجديد، وشتّان ما بين ذا وذاك في مضمون السياسات وتوجهات النظام. من ناحية أخرى، يدّعي معارضو السيسي، بشكل لا يقل فجاجة، أن السيسي هو مكمل درب ناصر أو تلميذه. ويحيد هذا وذاك عن الصواب، لأنهم يعتمدون بالمقارنة على المعايير الشكلية، أو على فهم غير نقدي للمصطلحات. كما أنهم يفترضون خطّا تاريخيا مستقيما، لا اعوجاج او انقطاع فيه بين عبد الناصر والسيسي، حتى لو حدثت تغييرات بالحكم منذ وفاة عبد الناصر، مثل تعاقب خمسة رؤساء وثورة 25 يناير وانقلاب 3 يوليو 2013.

النقد الليبرالي
هذه الادعاءات غير مقنعة، وتخلط الحابل بالنابل، لعدة أسباب. يجب التذكير، بداية، أن تغيير المواقف تجاه عبد الناصر ليس تعبيرا عن معرفةٍ أكثر بما فعله الرجل، بقدر ما هي تعبير عن تغيير السياق الأيديولوجي العام الذي نعيش فيه. لا يمكن تقييم عبد الناصر بدون فهم النزعة الثورية في الخمسينيات والستينيات. ولا يمكن تقييم نظرتنا إليه اليوم بدون الاعتراف بالسياق الأيديولوجي الليبرالي المحافظ. لم تكن هذه النزعة الثورية مجرّد برنامج سياسي (ضد الملكية وضد الاستعمار، ومن أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها). بل كانت أيضا تحمل أفكارا يسارية بشأن العدالة الإجتماعية. الثوار في الخمسينيات والستينيات في مصر والجزائر وظُفار وغيرها كانوا يحملون أفكارا حول سيادة الشعب سياسيا واقتصاديا. وذلك يعني أنهم فهموا الرابط بين الديمقراطية التشاركية والعدالة الاجتماعية، أي بين نظام الحكم والمجتمع. في المقابل، يقوم ناقدو عبد الناصر بنقده من موقع أيديولوجي مختلف، ليبرالي بامتياز، تمّ إرساء دعائمه عالميا بعد إنتهاء الحرب الباردة، وسقوط الأنظمة الاشتراكية، لتصبح الليبرالية المرتكزة على ديمقراطية إجرائية وسيادة القانون وإعلاء شأن الحقوق الفردية، وما تسمى السوق الحر هي الدين الجديد. لذا عندما ينتقد هؤلاء عبد الناصر، فإنهم يفصلون ما بين تسلطه السياسي وسياساته الاجتماعية، وينتقدونه كليبراليين، لأنه لم يحقق ديمقراطية ليبرالية، في حين أنه لم يهدف إلى هذا النوع من الديمقراطية المنقوصة.

يؤدي الإصرار على ديمقراطية إجرائية إلى المساواة بين أنظمة عبد الناصر وأنور السادات ومبارك، ووضعهم كلهم تحت خانة واحدة، الاستبداد والشعبوية، بسبب انعدام انتخابات نزيهة وحرّة. ويوحي هذا المعيار الشكلي بأن هناك استمرارية ما بين عبد الناصر والحكام الذين خلفوه، وكأن لا فارق جوهريا بينه وبينهم. ولكن لا يمكن المساواة بين من أنقذ الملايين من الفقر ومن قام بإغناء الأغنياء. لا يمكن المساواة بين من سعى إلى استقلال القرار السيادي ومن جعل مصر تابعا سياسيا واقتصاديا للولايات المتحدة.

من ناحية أخرى، يستغرب المرء أن أدبياتٍ كثيرة تصم عبد الناصر بالاستبداد تصرّ على تسمية الفترة التي رزحت فيها مصر تحت نأي الملكية والاستعمار البريطاني بأنها “الفترة الليبرالية”، لمجرد وجود انتخابات دورية. تتناسى هذه الأدبيات إقصاء مجموعاتٍ من المجتمع من التصويت (النساء خصوصا)، كما تتناسى وجود الملكية والاستعمار والمخالفات الكثيرة للدستور وللحقوق الفردية التي تمت في هذه الفترة. كما يتناسى بعضهم أن المصريين سئموا الأحزاب في هذه الفترة لفسادها وانتهازيتها. ولذا، من الواضح أن عبد الناصر لم يكن مسؤولا واحدا ووحيدا عن تأسيس نظامٍ مستبد من العدم. وبمثل ما هو واضح، لا يكفي وجود انتخابات تحت الاستعمار والملكية معيارا لتقييم نظام الحكم، فإن عدم وجود إنتخاباتٍ حرّة لا يكفي لإدانة عبد الناصر ونظامه.

أما فيما يتعلق بالحقوق الفردية، فواضح أن مصريين كثيرين لا يغفرون لعبد الناصر أنه صادر بعض أراضيهم ضمن الإصلاح الزراعي الذي هدف إلى إعادة توزيعٍ عادل لثروات المجتمع. ويتناسى الليبراليون هنا أن حق المُلكية الخاصة ليس مقدّسا ولا طبيعيا، وإنما يعتمد على تاريخ من العلاقات الاجتماعية، ويحتاج إلى نظام قانوني يدعم نوعا خاصا من العلاقات الاجتماعية، ويفرضها بسلطة القانون الذي تطبقه الدولة ومؤسساتها، فتوزيع الأراضي الظالم تحت القانون الاستعماري وما سبقه هو الذي أدّى إلى تركيز ملكية الأراضي في أيدي قلةٍ قليلةٍ من الطبقة العليا وحرمان غالبية الشعب، بل واستعبادهم، لخدمة هذه الطبقة عن طريق السُّخرة والاستغلال. وجعل هذه الطبقة حليفا للنظام معنيا باستمراره. لذا يقوم كل نظام ثوري يبتغي تأسيس المجتمع على أساسٍ عادل أن يراجع تاريخ الملكية الخاصة في سبيل الصالح العام. وفي الحقيقة، لم تكن مشكلة نظام عبد الناصر مصادرة أراض من الطبقات العليا لصالح الفلاحين، بل عدم مصادرته عددا ونسبة كافيين من هذه الأراضي، ليستطيع تحقيق أهداف العدالة الاجتماعية التي طمح إليها، وبالتالي تأسيس النظام السياسي الذي يصبح ممكنا، بعد تغيير النظام الطبقي للمجتمع.

وفي الوقت الذي تعصف فيه قوى الثورة المضادة في المنطقة، من المفيد التذكير بالبديل الذي مثله عبد الناصر، ففي حين تقوم السعودية والإمارات وغيرها بكل الجهود لقمع إرادة الشعوب، كان عبد الناصر يدعم حق الشعوب في تحقيق مصيرها وإقامة أنظمة على أساس ذلك. وفي وقتٍ تقوم به أنظمة عربية، بما في ذلك السيسي، بالانحياز والتبعية الكاملة للولايات المتحدة أو روسيا، كان عبد الناصر يحاول شق طريق مستقل. وواضحٌ أن هناك رابطا بين هذه السياسة الخارجية لعناصر الثورة المضادة ورفضها تأسيس نظام داخلي ديمقراطي، أساسه المواطن الحر الكريم. لم ينجح عبد الناصر في مشروعه، ولم يكن مشروعه خاليا من العيوب أو كاملا متكاملا. ولكن من حيث المبدأ لم يخطئ عبد الناصر عندما فهم الحاجة لإقصاء أعداء الثورة من حرس النظام القديم ومنتفعيه، وبعض قواعده الإجتماعية، لكي يستطيع إقامة النظام الجديد الذي ترسيه الثورة. قامت الدول الشرق الأوروبية، في بداية التسعينيات، بإجراءات قانونية عديدة شاملة، لتطهير البيروقراطية الناشئة من كوادر الحزب الشيوعي. ولم تجد حركات حقوق الإنسان أو المنظّرون الليبراليون أي إشكالية في ذلك. وإذا كان هناك خوفٌ ليبرالي في مصر، في خضم سيرورة الربيع العربي، من تكرار منوال محاكم الشعب والثورة وغيرهما، فمن الواضح، من الجهة الأخرى، أن الخطأ الجسيم الذي ارتكبته القوى السياسية، وتلام في ذلك المحكمة الدستورية العليا أيضا، هو عدم القيام بأي إجراءاتٍ جدّية لحماية الثورة من أعدائها داعمي نظام مبارك.

الإشكالية التي واجهها عبد الناصر هي نفسها التي واجهتها ثورة يناير. وإذا كان بعض النشطاء ما زالوا قاصرين عن فهم ما حدث وسبب الفشل، فلهم في تجربته عبرٌ يمكن الاستفادة منها. لم يكن خطأ عبد الناصر في التوجه خارج النظام القضائي لتأسيس شرعية الثورة (كما فعل البريطانيون مع تشارلز الأول، والفرنسيون مع لويس السادس عشر). لقد أثبتت تجربة السنوات الأخيرة في مصر وتونس أن القطيعة مع النظام السابق لا تتم عن طريق النظام القضائي والمنظومة القانونية القائمين، كمحاكمة رموز النظام أو منع ترشيحهم أو استرداد ما نهبوه من أموال من خلالهما. تعلمنا تجربة يناير أن رفع شعارات سيادة القانون واستقلال القضاء ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين كان كلام حق يراد به باطل. ففي نهاية الأمر، لا تقول هذه المصطلحات القانونية المجرّدة ما هو نظام الحكم الذي نريد تأسيسه. هل نحافظ على استقلال القضاء قبل تطهيره؟ هل نحاكم مبارك بناءً على نظام قانوني وقضائي صقله بنفسه، وأشرف عليه؟ هنالك أشكال عديدة من التنظيم المؤسساتي التي يمكن اختيارها تحت مسمّى سيادة القانون أو استقلال القضاء. ومهما ادّعت المؤسسات الدولية التي أغدقت أموالها على مصر وتونس، لا يوجد نموذج جاهز لبناء المؤسسات والعدالة الانتقالية يصح لكل زمان ومكان، ويتم تطبيقه بغض النظر عن تاريخ الدولة.

ويصح الأمر نفسه بالنسبة للاقتصاد. كان غريبا أن نسمع نداء نشطاء وقوى سياسية في مصر وتونس متكرّر بإنشاء حكومة تكنوقراط، أو تتوافق على أن يتولى وزارات سيادية “مستقلون”، كلما اشتد الخلاف السياسي. ومنبع غرابة الأمر أن الثورات والسيرورات الثورية هي اللحظات التي من المفروض أن يتخذ فيها الشعب قرارا سياسيا. أما أن يتم تعيين “مستقل” مسؤولا عن الاقتصاد في خضم حالة ثورية فهذا معناه إضفاء صبغة الإستقلال والحيادية على النيوليبرالية السائدة، كأنها تعلو السياسة. ولكن تجربة جمال عبد الناصر تعلمنا الحاجة إلى العدالة الاجتماعية لبناء المجتمع الجديد، هذه الحاجة التي أهملتها القوى السياسية في صراعها على الحكم بعد مبارك.

نحو النقد الذاتي
هناك سببان ليبراليان للتركيز الحالي على شخص عبد الناصر ومعاداته: فصل الدولة عن المجتمع، والإعجاب بالغرب حيث تتم محاكمة التاريخ العربي بمسطرة مثالية ليبرالية، لا وجود لها على أرض الواقع. في ما يتعلق بالدولة والمجتمع، يتم اختزال الإشكالية إلى نظام حكم مكون من بعض أشخاص. ما هي المشكلة في نظام الحكم السابق للثورة حسب هذا المنطق؟ عبد الناصر، مبارك، السادات، محمد مرسي، السيسي. أي أنهم يقصرون الأمر على فساد الأشخاص أو تسلطهم. ما هو السبب في فشل الثورة حسب هذا المنطق؟ مجموعة من الأشخاص في الجيش والقضاء والبيروقراطية، أو ما تسمى الدولة العميقة. هذا التفسير للمشكلة التي أدت إلى الثورة ولفشل الثورة قاصرٌ على أن يشخّص بدقة تداخل الدولة والمجتمع، أي تداخل النظام السياسي البيروقراطي مع التركيبة الطبقية للمجتمع. يعتمد النظام في أي مكان على قوى اجتماعية تسنده وتستفيد منه. يتضح خطأ تفسير الدولة العميقة في مصر عندما نرى أن صعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم جاء بعد مظاهرات ضد مرسي، زاد عدد المشاركين فيها، وفقا لبعض التقديرات، عن المظاهرات ضد مبارك. كذلك صوّت الملايين للسيسي، لأنهم رأوا فيه مثالا، ولو واهما، للاستقرار، أو لأنهم كرهوا “الإخوان المسلمين”. وقبل ذلك، كان معظم الشعب التونسي مع زين العابدين عند انقلابه الدستوري على الرئيس الحبيب بورقيبة. بالإمكان شتم كل من دعم السيسي أو انتخبه، ولكن ما نحتاجه للإفادة والاستفادة هو التحليل، لا الشتم، خصوصا أننا نتحدث عن قطاعات واسعة من المجتمع. كما نحتاج النقد الذاتي والمراجعة. كثيرون ممن يهاجمون عبد الناصر اليوم، ويقولون إن السيسي تلميذه، كانوا أنفسهم سببا في وصول السيسي إلى الحكم. لقد أفشلت المعارضة المصرية حكم مرسي طمعا وانتظارا في تدخل الجيش. لقد سبقت المذبحة في ميدان رابعة العدوية “تحليلات” عديدة من الإخوة المصريين الذين ادّعوا أن “الإخوان المسلمين” جماعة خارجة عن المجتمع المصري، وسبقهم يساريون، مثل رفعت السعيد، شيطنوا الإسلاميين عقودا. بدلا من تعليق التهم على شمّاعة عبد الناصر، علينا البدء بمراجعة ذاتية للماضي الأقرب.

وفي مقابل هذا التفسير للنظام العربي على أنه مكون من أشخاص، لا مؤسسات، يتم تمثيل دول غير عربية أنها دول مؤسسات لا أشخاص، على الرغم من أن المؤسسات على مرّ التاريخ مكونة من أشخاص. ويدّعي هؤلاء أن الدول الغربية تحتكم لسيادة القانون، حتى لو كانت استعمارية، مثل إسرائيل، وحتى لو كانت أميركا تحت حكم دونالد ترامب. يضيق المجال هنا عن ذكر تناقضات الأنظمة الغربية، مثل اعتبار النظام البريطاني ديمقراطيا، في حين ان البرلمان يشمل مجلس اللوردات غير المنتخب. ولكن، الأهم أن نتذكّر أن نظرة واقعية للنفس تتطلب أيضا نظرة واقعية للمقارن به أيضا.

آن أوان التركيز على التحليل لا الشتم، والواقعية لا المثالية، والتشخيص لا الشخصنة. يتم في هذه الأيام إعادة تكرار النقاشات نفسها التي تلت وفاة عبد الناصر، وكان لويس عوض قد عالجها في كتابه “اقنعة الناصرية السبعة” (1975)!.

بدلا من هذا الاجترار الممل، يجب أن نحلل ما جرى منذ الربيع العربي بنقد ذاتي، دونما جلد للذات، كأن ما نمرّ به خاص بنا لم تمرّ ولا تمرّ به شعوب الأرض. يتحوّل مثل هذا الجلد والنقد التسطيحي إلى عداء للأمة العربية وتاريخها ورموزها، فتصبح أرضا جرداء، لا تستطيع الهوية العربية أن تقف عليها. على هذا النقد أن يتخلص من عقدة النقص تجاه الغرب، بل يحاول فهمه بإنجازاته وقصوراته وتناقضاته، أي مثلنا.

نقلا عن العربي الجديد

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات