مقالات مختارة

طفلة المعادي

سما حسن .... العربي الجديد

يبدو أني قد أخطأت في اختيار العنوان، فهذه الطفلة التي وصفتها وسائل الإعلام، في الأيام الأخيرة، باسم طفلة المعادي، ليست من أهل هذا الحي الهادئ الراقي، في القاهرة، وإنما دخيلة عليه. يعمل والدها سائسًا في المنطقة، ولكن أسرتها تعيش في منطقة فقيرة، بالتأكيد. وفي اليوم الأول الذي قرّرت فيه أن تأتي لترى عالمًا غير عالمها تعرَّضت للتحرُّش من ذئب بشري يرتدي ثوب الفضيلة.

السؤال الأول الذي يطرحه من يبلغه خبر هذه الحادثة: ما الذي يجذب رجلًا بالغًا إلى جسد طفلة صغيرة، لا تبرز فيه أيٌّ من معالم الأنوثة؟ والسؤال الثاني: ما الذي ينقص هذا الرجل في بيته وحياته؛ لكي يفكر بالتحرُّش بطفلة صغيرة، والحصول على متعة من لمس جسدها الصغير، أو التمادي، لو سنحت الفرصة، وهتك عرضها؟ والسؤال الثالث، وهو المهم: كم جريمة قد حدثت مثل هذه الجريمة، وربما تمادى الجاني في فعلته، وهرب بجريمته، وظلَّت الفتاة، وأهلها، أو الفتاة، وحدها تدفع ثمن هذه الجريمة، إما برفضها الزواج؛ لخوفها من كشف المستور، أو بتعرُّضها للانطواء، وتدهور وضعها النفسي؛ نتيجة هذه التجربة الصعبة، أو أنها قد تدفع الثمن حياتها، حين لا تعلم ما الذي أصابها نتيجة لتحرُّش رجل بالغ بها، وتتزوج، ثم ينكشف المستور، في ليلة زواجها، وتكون النتيجة أنها تُقتَل بدعوى التفريط بشرفها، علمًا أن كثيرين من الرجال البالغين والمتحرِّشين قد يعتدون على فتيات صغيرات، وينالون من بكارتهن، بطرق قذرة، وليس بطريقة الوقاع الطبيعية، وذلك كله يدلُّ على نفسيات غير سوية، ولذلك يظلُّ السؤال الذي يتردَّد في ذهن الضحية: ما الذي يريده هذا الرجل منِّي؟ وقد يهدِّدها بنظراته المخيفة، إن كان قريبًا من العائلة، مثل أن يكون من المحارم؛ فتصمت، وتتخيَّل أن ذاكرتها قد طوت هذه الحادثة، بمرور الزمن، حتى يأتي يوم زواجها؛ فينكشف المستور.

الحادثة التي وقعت لطفلة اسمها سلمى، يعمل أبوها سائسًا في المنطقة، والقصة تبدو بائسة، من بدايتها، فالأب أصمّ، ولذلك ترسل الأم أبناءه الصغار؛ لكي يساعدوه في العمل. وفي ذلك اليوم، خرجت الصغيرة نحو مكان عمل أبيها، أول مرَّة، ربما كانت تعدها الأم لتقوم بمهمة ممتعة، وهي حمل الطعام للأب، وهو في عمله، ولكن قصة ليلى والذئب كانت على وشك أن تكتمل على أرض الواقع، لولا أن سيِّدةً جريئة استطاعت أن تكشف الجريمة، قبل وقوعها.

السيدة أوجين، والتي رأت بالمصادفة، ومن خلال كاميرات المراقبة، ذلك الذئب البشري، وهو يستدرج الطفلة، ويلمس مناطق عفَّتها، تتميَّز بجرأة وشجاعة، فهي لم تحسب حساب مكانة الرجل، أو موقعه الاجتماعي، وما قد ينالها من أذى؛ جرَّاء فضحه. ومن هذا تبرز حسنة عالم السوشيال ميديا، فالجريمة وقعت في الساعة السادسة تقريبًاَ، ونشرت أوجين الفيديو، في السادسة والنصف، وهكذا كان كلُّ العالم يشاهد الجريمة، وبالتالي لم يكن أمام الجاني وسيلة للهروب، أو الكذب، أو الالتفاف على الحقيقة.

نحن أمام جريمة مكرَّرة وموجعة، وقد مرَّ بكثيرات، ممَّن تابعن وقائع الحادثة مثل هذه التفاصيل المؤلمة، وهذا يعني أن على الأمهات أن يحرصن على بناتهن، فنحن فعلًا في زمن رديء، وكان الزمن رديئًا فعلًا، قبل نصف قرن وأكثر، فهناك حكايات لم تطوها ذاكرتي لفتياتٍ صغيراتٍ تعرَّضن للاغتصاب على أيدي أقرب المقرَّبين لهن، وهناك من تعرَّضن للاغتصاب من إمام مسجد، ومن المعلم في المدرسة.
وهذا يعني أن الخطر يكمن في أقرب المقرَّبين، وفي كلِّ مكان. والحقيقة أن النفوس رديئة، ولكنها تتلوَّن، وتتغيَّر، وربما اليوم أصبح من الصعب اكتشافها؛ لأنها تجيد التلوّن، ولديها عالم واسع هو عالم السوشيال ميديا، حيث ترتدي الذئاب ثوب الحملان، والويل لليلي من الحمل الوديع، حين تأتي الفرصة لينقضَّ عليها، ويكشف عن أصله المتوحِّش والشرس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى