مقالات مختارة

عبد الفتاح بوند 007

احمد عمر

يحبُّ فيلم “ردّ قلبي” و”السيما” والصورة والعروض، ولا يصدّق أنه وصل إلى السدّة، وهو ممثلٌ لا بأس عليه في فنِّ التمثيل وحُسنِ التنكر، ربما يعتقد أنَّ دقيقة دراما تساوي ألف رغيف عيش.

لم يرتوِ المشير عبد الفتاح لورانس من كلّ هذا المجد والفخار، لم يشبع من إطلاق اسم ثورةٍ على انقلابه الذي أخرجه له مساعد مخرج “المهاجر”، لم يرضَ عن كل المدائح التي قيلت فيه، والقصور الجميلة التي بناها من قوت الشعب ومدّخراته، والجسور التي مسكت مصر “كده”، وأقوال الدعاة الذين جعلوه نبياً ورسولاً، مناصفةً مع وزير الداخلية، فطمع في أمر أقلّ وأدنى مما ناله. لم يقنع بمقابلاتٍ جهّزوه فيها مثل العروس، كما في لقاء المخرجة ساندرا نشأت، وآزرته في انقلابه الكنيسة ومشيخة الأزهر وإلهام شاهين، بل إنَّ العواصم الكبرى وعواصم الخليج والفاتيكان آزروه ونصروه ومشت بأمره مسيرة من ثلاثين مليون مصري كما زعم إعلامه، وجرى له ما أراد، بل قتل الرئيس المصري المنتخب قهراً وكمداً، من غير أن يريق دمَه، فلمَ يريد قتل محمد مرسي ثانية، ومن أجل ذلك أنتج مسلسلاً عن بطولاته، فعمل بإنتاجه ثورةً في الطرائف والنكات، وهذا يعني أنَّ الرئيس مرسي حيّ.

اشتغل سحرة التصوير على مسلسل الاختيار، الذي حشدت له الدولة عتادها وعدّتها وأفضل ممثليها، فاحترنا في شخصية بطل المسلسل، أهو لورانس مصري، أم هو رأفت الهجان الثاني، الذي تسلسل داخل الجماعة فمكر بها، وقهرها وكسر شوكتها، وأنقذ مصر من براثنها وأحبط كيدها في أن يكون لمصر غذاؤها ودواؤها وسلاحها؟ يقدّم خيرت الشاطر في المسلسل عرضاً في التعاون، لكنّ عبد الفتاح السيسي يردّ عليه بالدعوة إلى الطعام، وتنطلي الدعوة على الشاطر في المسلسل. ويبدو أنّ السيد عبد الفتاح بوند راضٍ كلّ الرضى عن صورته الجديدة في المسلسل، فهو وقور، تقيّ، صوّام، بارّ بأمه، يقبّل رأسها (يبدو أن مقامه أعلى من أن يقبّل يدها كما يفعل الأبناء) ويفطر على تمرة، زاهداً في مائدة فاخرة لتلبية نداء مصر، في هاتفه الصغير الرخيص، بل زاده المخرج في المسلسل بسطة في الجسم والعلم، ورزقه الحكمة وخلّصه من “فلتر” التكرار، فراح ينطق بدرر الحكم، وجواهر الفصوص. وأمّه الحسناء راضية عنه، فوصل، برضاها عنه، إلى حكم مصر، وقد أتاه الله مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده ولا من قبله، والنيل يجري من تحته. أما خصومه من قادة الإخوان، خيرت الشاطر، ومحمد بديع، ومحمد مرسي، فهم مهتاجون، غِضاب، جوعى، يدخلون دوائر الدولة وكأنها صالون فيلم كاوبوي. الممثلون الذين يؤدّون أدوار هؤلاء، يكرهون أدوارهم، ويؤدّونها وهم يضيقون بجلودهم، ويكادون أن يتبرأوا من أدوارهم على صفحاتهم الاجتماعية خوفًا من اعتقالهم أو من عار الشخصيات التي يمثلونها.

وقد ذكّرنا “الاختيار” بفيلم أصدره صدّام حسين عن نفسه بعنوان “الأيام الطويلة”، ومسلسل سوري إذاعي أصدره حافظ الأسد عن سيد قطب في الثمانينيات، فلم يكن الأسد ليمنّ على “الإخوان” بمسلسل مصوّر، فهو شديد التقية، وهم أقلّ من ذلك عنده. كان صاحب الظلال في المسلسل يقهقه بفجور، ويتردّد على الخمّارات. الزعماء الثلاثة؛ صدام والأسد والسيسي ينطبق عليهم المثل “عدمان وقع في سلّة تين”. كلّ الظنّ أنّ السيسي سعيد بطوله الفاخر، و”شلبيته” (يونس شلبي والشلبي هو الحلو في التركية)، وخلوّه من فلتر التكرار وجملته اللازمة “صحيح”، وسعيد لأنّ “صقر قريش” فاتح الأندلس يعمل تحت إمرته خادمًا في شخصية عباس كامل.

يهمّ المسلسل بالقول: إنّ السيسي قاد حرب الاستقلال، وهو مؤسّس الجمهورية الثانية بعد جمال عبد الناصر، جمهورية بلا سيناء ولا جزيرتي صنافير وتيران، وبلا خبز وبلا ماء، ولا انتخابات، حتى أنهم سمّوا انتخاباتهم “تمرّد”، والتمرّد مكروه، ولا نعرف ما إذا كان في المسلسل قصة حب فلا تخلو المسلسلات الناجحة من غير قصة حب، لعلّ الحبيبة هي مصر.

قد يقول القائل إنّ كل هذا يصير هباء منثوراً، بعدما كتبت صحيفة إسرائيلية أنّ السيسي أنقذ تل أبيب من مرسي. لا بدّ أنَّ سامي عنان وعشرات من الشهود على الوقائع من النظام يضحكون من المسلسل الذي أحدث ثورة في الضحك، لكنّه ضحك كالبكاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى