مقالات مختارة

عندما لا توضح القاهرة موقفاً من انقلاب السودان

عصام شعبان

انتفض الشعب السوداني مجدّدا في تظاهرات 30 أكتوبر (الأسبوع الماضي)، ردّا على عملية استيلاء قائد المجلس العسكري، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على السلطة، في انقلاب واضح، جرى الإعداد له منذ فترة، بداية من مناوشات كلامية ضد حكومة عبد الله حمدوك واتهامها بالفشل، ومحاولات المجلس العسكري تفتيت قوى إعلان الحرية والتغيير، واستمالة قوى سياسية وجهوية إلى ساحته، وصولا إلى قرارات 25 أكتوبر (الشهر الماضي)، وأبرزها القبض على وزراء الحكومة، والتي جاءت للسلطة عبر الوثيقة الدستورية، ممثلا للمكوّن المدني، وتمثيلا لقوى إعلان الحرية والتغيير في مجلس السيادة. كما علق البرهان ضمن قراراته مواد في الوثيقة الدستورية، وفرض الطوارئ، عدا عن اتخاذ إجراءات تضييق أمني، منها تعطيل الاتصالات وخدمات الإنترنت.
وعلى الرغم مما فرضته السلطة من حالة ترهيبٍ للمواطنين، وتشكيك في القوى السياسية والثورية، نفّذ الشعب السوداني عصيانا مدنيا ناجحا، وخرجت مظاهراتٌ حاشدةٌ في عشرات المدن والأحياء، ترفع شعاراتها، وتؤكد مطالبها في حكومة مدنية وانتقال سلمي وديمقراطي للسلطة، ورفض الانقلاب. وبهذا، يعيد الحراك توازن القوى، وربما يفتح أبوابا لمسار سياسي منحاز لمطالب الثورة، ويقاوم انقلابا يصفه قادته والموالون له تصحيحا للمسار. وقد بدا في المشهد أن البرهان مدعومٌ بقوى إقليمية ودولية تعتبر بعضها ما جرى شأنا داخليا، وحفاظا على السودان ووحدته، وتقليلا لفرص الفوضى، وسعيا إلى تحقيق الاستقرار. وعلى النقيض من ذلك، دانت تكتلات سياسية دولية الانقلاب، أبرزها الموقف الأميركي والأوروبي، في مواجهة موقف روسي وصيني داعم للبرهان. وانعكس بعض من هذا المشهد الدولي على التعبيرات السياسية خلال التظاهرات وقبلها. وكانت مصر والإمارات ظاهرة في شعارات الحراك المناهض لاستيلاء الجيش على السلطة. وأوضحت بعض الهتافات أن هناك حساً لدى قطاع من السودانيين يرى في موقف الدولتين مساندة لقرارات البرهان.

يقف تصنيف مصر ضمن تحالف إقليمي يعادي الثورات والانتفاضات الشعبية دافعا للاتجاه الذي يتهم مصر بتشجيع خطوات البرهان

وتأسّس جزء من موقف السودانيين، من القاهرة خصوصا، على خبراتٍ سابقة منذ اندلاع الانتفاضة، في ديسمبر/ كانون الأول 2018، والتي استضافت القاهرة حينها، في موقف غير محسوب، الرئيس المخلوع لاحقا عمر البشير، واتخذ اللقاء منصّة كأداة تشويه للحراك. وكأن القاهرة تعلن عداءها، منذ اللحظة الأولى، للانتفاضة، كما يتأسّس موقف السودانيين أيضا بناء على موقف سلبي من الانتفاضات العربية يتبنّاه النظام المصري، عدا عن الخوف من تكرار تجربة مصر. وتاريخياً، هناك خبرات وحساسية لدى السودانيين تجاه النظم العسكرية عموما، نتاج عهود حكمت فيها الخرطوم نظم عسكرية، في عهدي إبراهيم عبود وجعفر نميري، وانتهاء بحكم البشير، والمدعوم بالجبهة الإسلامية القومية في انقلاب 1989، والذى مارس جرائم على مدار 30 عاما. وهذا هو الرئيس المخلوع اليوم في سجن كوبر مداناً في بعض جرائمه. وفي إطار تشكّل موقف قطاع من السودانيين ضد القاهرة، الانقسام التاريخي منذ حقبة الاستقلال بصدد العلاقة مع مصر، والتي تعمّقت كذلك في فترات ممتدة من الاختلافات بين النظم الحاكمة في القاهرة والخرطوم. فضلا عن وجود كتل سياسية ونخب سودانية تنحاز إلى إثيوبيا، ويجدها حليفا للسودان في مواجهة مصر، ليس وحسب في ملف سد النهضة، ويرفض بناء عليه أشكال التعاون المشترك بين القاهرة والخرطوم. ويرى هذا الاتجاه أن إثيوبيا ساندت ثورة السودان، بينما وقفت القاهرة في الصف المقابل، حين بدأ الحراك المطالب بإسقاط البشير، والآن لا ترحب بوجود نظام ديمقراطي بعد انتفاضة شعبية. كما يقف تصنيف مصر ضمن تحالف إقليمي يعادي الثورات والانتفاضات الشعبية دافعا للاتجاه الذي يتهم مصر بتشجيع خطوات البرهان. وللمفارقة، أسقطت ثورة السودان نظاما عسكريا بنى سلطته عبر انقلاب، وبتحالف مع الإخوان المسلمين. ونظرياً، من المفترض أن يكون النظام المصري الذي جاء بديلا للإخوان أن يكون مرحبا برحيلهم عن السودان. ولكن المعادلة ترتبط أكثر هنا بموقف معادٍ للانتفاضات الشعبية والانتقال السلمي للسلطة وتجربة وجود حكم ديمقراطي. وهذا التصور سائد لدى قطاعاتٍ من مكونات الحراك الشعبي في السودان.

لا تريد القاهرة إعلان مواقف حاسمة، على الرغم من أنها جزء من الحوار بين الفاعلين الدوليين الذي ناقش أزمة السودان طوال الشهر الماضي

تتمثل المواقف المعلنة للقاهرة من انقلاب السودان في التصريحات الرسمية لوزارة الخارجية ورئيس الوزراء، ليست حاسمة، وشديدة العمومية، ومتروكة للتأويل. لا تعلن رفضا لما جرى، لكنها، في الوقت نفسه، لا تعلن تأييدا لقرارات البرهان، أو انحيازا له. ويتضح أن القاهرة لا تريد إعلان مواقف حاسمة، على الرغم من أنها جزء من الحوار بين الفاعلين الدوليين الذي ناقش أزمة السودان طوال الشهر الماضي (أكتوبر/تشرين الأول). وأعلنت واشنطن، عبر مسؤولين فيها، أنها تجري اتصالاتها مع بعض دول الخليج والقاهرة للمساهمة في تفكيك الأزمة، في وقت أعلنت وزيرة خارجية السودان، مريم المهدي، استغرابها أن نظيرها المصري لا يردّ على اتصالاتها.
يتضح أن اتخاذ القاهرة موقفا واضحا مما جرى في السودان ليس ممكنا في ظل الحسابات الحالية، والمتأثرة بتقديرات مواقف مسبقة بشأن الصراع السياسي داخل هذا البلد، بالإضافة إلى حساسية من التعبير عن موقف معلن، في ظل أزمة ملف سد النهضة، والذي فرض أن تكون علاقتها مع المكوّنين، المدني والعسكري، قوية، ولا تؤثر، في الوقت نفسه، على مصالحها. ويرتبط موقف مصر، بجانب أزمة السد، بعلاقاتها بالكتل الدولية، والتي لا تتبنّى أيضا مواقف موحّدة، ليس من السهولة، في ظل طبيعة النظام، وارتباطاتها الإقليمية والدولية وأزمة سد النهضة، إعلان مواقف حادّة أبعد من تمنيات بالحفاظ على استقرار السودان، وتشجيع الحوار بين الأطراف السودانية، وتأكيدها على وجود اتصالات على أعلى مستوى مع كل الأطراف. وفي السياق، كانت إشارة أمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، إلى أن استقرار الوضع يستلزم مشاركة الأطراف السياسية السودانية، وأنه “لا إمكانية لمسح تيار سياسي بأستيكة”، على حد تعبيره.

تأثير المواقف الدولية والإقليمية على مسار الثورات ومستقبلها، يجب أن لا يتم البناء عليه بوصفه عاملا ذا وزن طوال الوقت

وتظل الرؤية الحاكمة لمصالح مصر وحساسية الملف السوداني حاكمة وسببا في هذا الالتباس، على عكس الموقف مما حدث في تونس، كانت تعبيرات المؤسسات الرسمية أكثر وضوحا وترحيبا بما جرى من خطوات اتخذها الرئيس قيس سعيّد. .. ويبقى التأكيد على أن خبرة مصر، في بداية اندلاع الثورة السودانية، والمراهنة على بقاء عمر البشير، يجب أن توضع في الاعتبار في الموقف مستقبلا، وأنه يمكن للقاهرة، وهي تحاول استعادة وجود فاعل في المنطقة، أن تتخذ مواقف عملية تساهم في استيعاب الأزمة السياسية والسعي إلى حلها. أما عن تأثير المواقف الدولية والإقليمية على مسار الثورات ومستقبلها، فيجب أن لا يتم البناء عليه بوصفه عاملا ذا وزن طوال الوقت، وأن يتم قياس الأثر بالتزامن مع مواقف القوى الشعبية للثورة، بوصف أنها ذات أهمية بالغة، بما تحمله من تناقضات وتوازنات وطاقة وقدرة على الفعل، وصاحبة تأثير في تشكيل المسارات السياسية. كما أن المبالغة في الدورين، الإقليمي والدولي، لأي دولة، في سياق الثورات، قد تسبب أزمات وتشوشا في الرؤية. كما أن فيها انتقاصا من قدرات الشعوب في تحديد مصائرها، وكأن الفاعل الدولي والإقليمي هو صاحب الكلمة في تحديد مصائر الشعوب. غير أن الانصياع، طوال الوقت، لمقولات كلاسيكية ومواقف مسبقة، ضمن التحليل السياسي للعلاقات الدولية، يزيّف الصورة أحيانا، بل ويجعل بعضهم يتخذ مواقف مضرّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى