مدونات

عن فتاة تخشى الزواج.. هبة أبو ندى

كنتُ أسألُ إحدى زميلاتي بالعمل عن عمرها، وما شدني للسؤال هو شكلها البريء وعيونها الغزالية وابتسامتُها الملائكية وتوقعت أن تجيبني بابتسامتها كالعادة لكنها قالت لي: لا تسألي لم أعد أحسب عمري! صَمَتُّ لتلك الإجابة التي لم أتوقعها، وقبلَ أن أحاول فهم جملتها تلك التي تشبه السكين سألتني: وأنت؟ قلت لها أنا في الثامنة والعشرين. هيَ استغربت لأنني ذكرت عمري وأنا كنتُ أبتسم وأقول: نعم أنا لا أخجل منه..

في الحقيقة نحنُ كفتيات نعاني من عقدة (العمرفوبيا) ليسَ لأننا نكره أعمارنا بل لما يترتب على ذكر العمر من تحليل وتمحيص وبحث وتدوير وفحص بالأشعة فوق البنفسجية وبالحواجب المرفوعة والأفواه المستغربة بذات إن كانت الفتاة غير متزوجة، هنا يصبح الأمر قضية رأي عام، ومشكلة تنمية بشرية تخص الجيران والأقارب والدول الشقيقة أيضًا، فكونك فتاة عزباء تجاوزت الخامسة والعشرين يشبه أن توضع حولك لافتات إرشادية كلافتات المرور لاستقبال التعازي وأخذ النصائح واستحقاق الدعوات والرحمات، وهذا ليسَ مبالغة فهذهِ العينة المسكينة من البشر توجه لها النصائح والأفكار أينما ذهبت، مثلًا؛ لما لا تصادقين شابًا مثلًا! لا عيب في ذلك! باعتبار أنك كبيرة وناضجة ويمكنك فعل ذلك ضاربة بفعلتك هذهِ كل الأعراف والعادات والتقاليد التي أحطتِ نفسكِ بها.

اذهبي إلى أعراس العائلة حتى يراكِ الآخرون باعتبارك (البوفيه) المتنقل للعائلة والذي يجب أن يلقي عليه الجميع نظرتهم الفاحصة، أو أن يرسل لكِ الآخرون من كل مكان ومن كل صلات القرابة خاطبين قد يناسبونك وقد لا يناسبونك وفي النهاية عندما ينتهي الموقف بالرفض عليكِ بجلسة مفاوضات عامة وخاصة لتبرير موقف رفضك للآخرين، على أساس أنَّ عدم ارتياحك لذلك الشاب غير كافي مع أنهم -سبحان الله- قالوا لكِ قبل الجلوس معه: لديكِ الحق إذا لم ترتاحي له، فقط اجلسي معه وتحدثا! صدقوني هذهِ الجملة هي الفخ الأكبر والمصيدة الأسوأ في كل القصص التي تحصل، والحقيقة أننا نحترم حب الأقارب لنا ولو كان بتلك الطرق غير المريحة ولكننا نخشى الزواج بدون وعي وبدون تقبل وبدون قناعة نحنُ حقًا نشعر بالخوف من فكرة الزواج البهلواني العشوائي التي تعرضُ علينا بكرة وعشيا!

أنا كفتاة أخشى الزواج بشخص عاديٍ يعامل الوردة كما يعامل يد البلايستيشن أثناء اللعب، أخشى الزواج بشخصٍ فقدَ شغفهُ بالحياة وفقدَ رغبتهُ بالعطاء وأصبح الزواج بالنسبة له مقررَ نهايةِ عقدٍ من العمر كمقررات الثانوية العامة ويجب إنهاؤه بأقل الخسائر والأضرار، شخص أشعرُ معه بانطفاء روحي وتسقطُ معهُ كلماتي الجميلة كما يسقط الورق الذابلُ في الخريف، أخشى الارتباط بشخصٍ لا يقرأ الكتب ولا يشمها قبلَ فتحها ولا يهتم بنوع الخط ولون الورق وبالأخطاء الإملائية والنحوية فيها، أخشى الارتباط بشخص لا يهتم بنوع عطره أو تنسيق لون قميصه على لون حذائه وهنا لا أقصد الاهتمام الشكلي بقدر ما أقصد الاهتمام بالتفاصيل التي تخرجنا من موتنا للحياة وتجعلنا نبتسم حينَ ننظرُ لأنفسنا ولمن نحب، وبالطبع أخشى الارتباط بشخص لا يعني له الحب شيئًا، لا يحفظ تواريخ ميلاد والدته أخوته زوجته أبنائه، ولا ينتبه لما يحبونه وما يكرهونه، ولا يجيد وصفَ شخصياتهم حينَ يسألُ عنهم، ولا تلمعُ عيونه حينَ يراهم من بعيد، ولا يبتسمُ حينَ يكلمهم على الهاتف، شخصٍ يسمع أوكا وأورتيجا بدلًا من جوليا بطرس وفيروز، ويفضل أن يلعب (PUBG) على أن يسألني كيفَ كانَ نهاري، أو لماذا يبدو صوتي متعبًا، شخصٍ لا يلاحظ وجودَ هالاتٍ سوداء تحت عيني، أو تغيرَ نبرة صوتي أو اختلاف طريقة ارتدائي لثيابي، ولا يهتم إن خرجت تحت المطر بدون مظلة أو لا يأتي لمساعدتي في أموري التافهة كأن ينكسرَ كعبُ حذائي في منتصف الطريق!

أخشى الارتباط بشخصٍ انتهت الحياة بالنسبة له وأصبح الزواج في منظورهِ ديكورًا أخيرًا لواجهة العمر، وتوقفت عنده كل الإعدادات، فلا حلم بدارسة جديدة أو عملٍ أفضل أو شغفٍ أكبر أو طموحٍ يرسمُ تفاصيلهُ كلَّ يومٍ في مخيلته ويشاركني به، أخشى الارتباط بشخصٍ لا يقاسمني خبزَ قلبه، وماءَ روحه كل يوم ولو حتى بأبسط الأشياء، كأن يأخذ رأيي بشراء لعبة لطفل، أو كتابة جملة جميلة لأخته في عيد ميلادها أو يعطيني رأيهُ بطبقٍ عاديٍ طبخته واعتقدت أنهُ خرافي، أو أن نثرثر فقط عن مقالبنا في الصغر بدون أي هدفٍ أو فكرة فقط لأجل الثرثرة لكي يسمعَ أحدُنا صوت الآخر ويرى ابتسامته العابثة ويلمحَ عيونهُ المشرقة بعدَ تعبِ يومٍ طويل، أخشى الزواج بشخصٍ لا يعني له الله الكثير، ولا يُعينُني على الصلاة، ولا يتنهد عندما يسمعُ سورة القصص أو مريم، ولا يفكر بأن يعقد نيةَ قبله على الحب أمام الله لكل شيء يفعلهُ في الحياة بدءا من بمعاملة صغيرة في عمله وصولًا إلى احتضان طفلهِ قبل النوم، أخشى الارتباط بشخصٍ يغلقُ قلبه أمامي ويتركني على العتبه، العتمة من أمامي والمجهول من خلفي، من شخصٍ لا يتقنُ فن الحوار ويؤذيه أن يعتذر أو يراجعني إن أخطأ أحدنا في حق الآخر، أن يغلق الدرج على مشاكلنا بمفتاح التجاهل ويستيقظ في اليوم التالي كأنَّ شيئًا لم يكن، شخص يخيفهُ أن يحسب معي سنوات عمري وعدد الشعرات البيضاء التي ستنبت في رأسي ورأسه ويعتقد أنني جميلة ولكن.. كلمة (لكن) التي ستتبعها دائما مؤشرات لوزني أو طولي أو لون بشرتي أو بهتان شكلي، شخصٌ لا يأخذني في جولة فضفضة في منتصف الليل عندما يشعرُ بحزني، شخص يخجل أن يمسكَ بيدي لأنحت أحلامي على صخرة الواقع، ولا يقرأ نصوصي المجنونة قبل الآخرين، وأخجل من ذكر أحلامي أمامه كأنها عورة! نعم، أخشى الارتباط بكل هؤلاء، ولكنني دائما أمنحُ نفسي الحق في الثقة وفي توقع الأجمل، سيقول البعض: أنت حالمة! أقول: “الحالمون هم وحدهم من غيروا العالم”.

نقلا عن مدونة الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى