مدونات

عن مصطفى النجار وآخرين .. وليد شوشة

كانت آخر مكالمة بين الناشط السياسي والبرلماني السابق بمجلس الشعب في الفترة بين عامي 2011 و2012، وأحد مؤسسي حزب العدل، طبيب الأسنان مصطفى النجار وبين زوجته في سبتمبر/ أيلول عام 2018، علمت منه بأنه في مدينة أسوان جنوبي البلاد، وذلك قبل أيام من جلسة محاكمته مع آخرين بتهمة إهانة القضاء. وهي التهمة التي وصفها النجار بأنها ملفقة لدوافع سياسية. وقد حكمت عليهم المحكمة فيما بعد بالسجن ثلاث سنوات.

ومن يومها وزوجته المكلومة عاجزة عن تقديم إجابات عن أسئلة أبنائها بشأن عدم وجود والدهم معهم منذ فترة طويلة! كما طافت كل مكان للبحث عن زوجها المفقود، وطرقت كل باب رسمي للسؤال عنه، ومعرفة مكانه، بعدما اتصل بها مجهول ليخبرها بأن مصطفى قُبض عليه.

وأخيراً وبعد 500 يوم من اختفائه، قررت محكمة القضاء الإداري في 20 يناير/ كانون الثاني الماضي، إلزام وزارة الداخلية بالكشف عن مكان احتجازه. ويحاكم النجار على تصريحات أدلى بها أثناء جلسة برلمانية عام 2012 انتقد فيها القضاء لعدم مساءلة الداخلية عن قتل المتظاهرين المسالمين في ثورة يناير. وتنفي الداخلية أي دور لها في اعتقال النجار أو إخفائه قسرياً، وتصف ما يتردد بأنه شائعات.

والنجار واحد من آلاف تم إخفاؤهم قسرياً، خلال الأعوام السابقة والتالية لانقلاب 2013، وتزداد الأعداد بشكل كبير كل عام، والذي يستهدف به النظام الانتقام من المعارضين

والاختفاء القسري هو الاحتجاز أو الاختطاف، أو أي عمل يُحرم الإنسان من حريته، على يد جهة تابعة لسلطة ما أو أشخاص يتصرفون بدعمها أو إذنها، ولا تعترف تلك الجهة بحرمان المختفي أو المختطف من حريته، بل تنكر معرفة مصيره ومكان وجوده.

وتنص الاتفاقية الدولية في المادة الأولى: “لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري، ولا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد بالاندلاع الحرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي، أو بأية حالة استثناء أخرى، لتبرير الاختفاء القسري”. وتعتبر المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الاختفاء القسري: “جريمة ضد الانسانية

والعدد المتزايد كل يوم، والمساحة الكبيرة التي يشملها في عدة محافظات مصرية، يعني بأن الاختفاء القسري أخذ الطابع الممنهج للنظام، واتخاذه وسيلة من وسائل البطش والتنكيل بالمعارضين لسياساته.

فحسب إحصائيات غير رسمية تعرض للإخفاء القسري أكثر من 600 حالة، ظهر بعضهم في أقسام الشرطة وقاعات المحاكم، والبعض ما زال مصيره مجهولاً. من هؤلاء الستمائة المختفين قسرياً 203 من النساء تم إخفائهن قسرياً على فترات مختلفة. حسب التقرير الحقوقي المشترك بين الشهاب لحقوق الانسان ومقرها لندن، وعدالة لحقوق الإنسان ومقرها إسطنبول.

وخطر الإخفاء القسري أن مصير ضحاياه يبقى مجهولاً عن أهاليهم وأولادهم، وحتى جهات التحقيق والإدانة الرسمية مثل النائب العام والنيابة العامة والقضاء، كل هذه الجهات التي تملك حق إلقاء التهم، وإصدار الأحكام، ومناقشة المتهمين ومحاميهم، لا تعلم عن المختفين قسرياً شيئاً، وبالتالي يكون مصير هؤلاء بيد الجهة التي قامت باختطافهم وإخفائهم، وحدها دون سواها، وغالباً ما يرفضون الكشف عن مكان وجودهم، وغالباً ما يتعرضون للتعذيب الشديد، وإلصاق التهم، وربما يصل الأمر لقتل البعض منهم خارج القانون، أو الخوف من التعرض للقتل، والمصير المجهول.

والإخفاء القسري شكل صارخ من أشكال انتهاك القانون ومواد الدستور التي نصت على حق المواطن في الحياة والحرية. فقد نصت المادة 59 من الدستور المصري على أن: “الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها”.

وبالتالي فالدولة ملتزمة أمام القانون بحماية المواطنين، وعرض المخالفين أمام النيابة والقضاء بكل شفافية وبحضور محاميهم، كما هو الحال في كل الدول الديمقراطية. والمادة 94 تنص على أن: “سيادة القانون أساس الحكم في الدولة وتخضع الدولة للقانون…”.

وجهاز الشرطة في الأنظمة الديمقراطية هيئة مدنية ولاؤها للشعب، وتعمل في خدمة الشعب، وليست أداة بطش في يد الحاكم، وسوطه المسلط على المعارضين، والمخالفين له. فقد نصت المادة 206 على أن: “الشرطة هيئة مدنية نظامية في خدمة الشعب، وولاؤها له، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام العام، والآداب العامة.. وتحترم حقوق الانسان وحرياته الأساسية..”.

ولا يتم انتهاك القانون، وارتكاب الدولة لجرائم العنف ضد مواطنيها إلا في ظل غياب الديمقراطية، وهيمنة الحكم الاستبدادي أو العسكري الذي لا يحترم القانون والدستور، ولا يعترف بهما. والقضاء والقضاة في ظل هذه العهود لا مكان لهما ولا مكانة، فهناك ترزية القوانين جاهزون لتفصيل القوانين والدساتير وفق رغبة الحاكم وطموحه، وهناك القضاة الذين لا يملكون سوى النطق بأحكام جاهزة تُرسل إليهم.

لقد طاول الإخفاء القسري الرجال والنساء، الشباب والبنات! وترك وراءه الأسر وأهاليها وأولادها مشغولي البال بمصير أبنائهم وآبائهم. لقد خلف الإخفاء أمهات وزوجات ثكلى لا تجف عيونهن من الدموع، ولا تكف عن البكاء، وأجسام تعبت من البحث والسؤال، ونفوس ما تزال معلقة بحبل الأمل ومنتظرة ذاك البشير الذي يلقي عليهم خبر المفقودين.

ليس هناك أصعب وأشد على النفس من أم أو أب يفقد ابنه أو بنته، ولا يدري عنهم شيئاً! ولعظم هذا الفقد وصف القرآن أم موسى عليه السلام حين فقدت ابنها بأن فؤادها أصبح فارغاً! فارغاً: لا عقل فيه ولا وعي ولا قدرة على نظر أو تصريف! فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى. وهكذا هي قلوب كل من فقدوا عزيزاً عليهم ولم يعرفوا أين اختفى!

يجب أن يتضامن الجميع مع المختفين قسرياً، حتي ينالوا حريتهم وحقهم في الحياة، وضمان حياة كل مواطن وفقاً لمواد الدستور والقانون. وعلى منظمات ومراكز حقوق الانسان المحلية والدولية أن تنشر تفاصيل هذه القضايا وتفضح الأنظمة التي تنتهك حقوق الانسان وتتخذ الاخفاء القسري للمعارضين وسيلة لها. وعلى المنظمات الدولية أن تتحرك لإدانة هذه الأنظمة وإجبارها على وقف هذه الانتهاكات، ومحاسبة من ينتهك حقوق الانسان، ومواد الدستور. وعلى أهاليهم ألا يملوا وألا يكفوا عن البحث عن أبنائهم ومخاطبة المسؤولين والمعنيين بالأمر ومراسلة وسائل الإعلام، ونقل صرخاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعية حتى يصل صوتهم للجميع، ويسمعوا صرخاتهم! ولا يسكتوا حتى يردوا أبناءهم إلى أحضان أمهاتهم كي تقر أعينهن ولا يحزنّ.

نقلا عن العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى