مقالات مختارة

فئران الخليج والقط الفلسطيني.. من المسؤول؟

ذكر الكاتب الصهيوني بنحاس عنبري في كتابه “الاتصالات السرية بين الولايات المتحدة والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية” أن واضعي السياسة الأميركية أدركوا – بعد إخراج المنظمة من الأردن إثر حوادث أيلول 1970 – “أن إغلاق الطريق أمام المنظمة يمكن أن يدفعها إلى أن تصبح منظمة إرهابية من أشخاص بائسين، وأن أفرادها بدلا من التوجه إلى فلسطين سيتوجهون إلى أهداف في الشرق الأوسط وخاصة المنشآت النفطية في الخليج العربي. وبناء على ذلك فقد ألقيت على فيشر – بروفيسور أميركي اسمه روجر فيشر من جامعة هارفرد – مهمة دعم التيار الذي نادى بالعمل السياسي العلني داخل المنظمة، أو منع المنظمة الفلسطينية من الانزلاق إلى منظمة عسكرية سرية تخرب المنشآت النفطية. وكانت المهمة التي طلب من فيشر ترويجها هي السعي لإقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل”.

ما يهمنا في هذا الخبر ليس حكاية اصطناع فكرة “الدولة الفلسطينية” كأداة إلهاء تعويضية للفدائيين المحبطين بعد هزيمتهم في المواجهة مع جنود البادية الأردنية، إنما في ما تحققه هذه الفكرة من حرف لهؤلاء عن الاشتغال والمس بمنشآت النفط في الخليج والسعودية لما كانت تمثله تلك المنشآت وآنذاك من مصلحة أمن قومي عليا لأمريكا ومن خلفها الغرب. في ذلك الزمن (مطلع السبعينيات) كانت قضية فلسطين ولا تزال تتمتع بمكانة معنوية لا تضاهى، وكان خطاب أهلها الذي غلبت عليه اللغة اليسارية الدارجة آنئذ خطابا جارفا ويتمتع بمفردات تمنح الحديث عن القضية الفلسطينية قيمة معنوية متفوقة ومستعلية، وتكاد تكون الأوصاف والنعوت الخطابية والإعلامية “مصدقة” ولها مفعول القنابل والرصاص والصواريخ. كان الحديث عن “الرجعية العربية” وحديثي النعمة من أهل “البترودولار” ممن وصفوا بـ”الكمبرادور” وبالطفيليين وعملاء الاستعمار والمتكرشين والمترفين من أصحاب الدشاديش والعباءات، وهم بالمجمل كانت قد وصمتهم الصحافة الأجنبية وحتى أفلام هوليود بالكثير من الصفات الهابطة. وكان لهؤلاء أن يدفعوا ويدفعوا لمنظمة التحرير الكثير من المال لاتقاء شرها وحفظ رؤوسهم من بأسها وغضبها.

كيف لا، وكان التهديد بضرب منابع النفط العربي يرد في معظم بيانات التنظيمات الفلسطينية، خاصة اليسارية منها، تلك التنظيمات التي كان أحد أهم وسائلها في تلك الحقبة العمل على الساحة الخارجية أو ما يسمونه اليوم “الإرهاب الدولي” من خطف طائرات أو مهاجمة التواجد الصهيوني في منتديات دولية كعملية ميونيخ 1972. ولعل أهمها عملية خطف وزراء النفط في فيينا في أواسط السبعينيات، وكاد وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني أن يقتل فيها حسب الخطة المعدة. وبالتالي فقد كان لتهديداتها رصيدا ومصداقية عالية، خاصة أن نشطاء فلسطينيين وقوميين كانوا قد قاموا سابقا أثناء العدوان الثلاثي (1956) بتفجير خط أنابيب “التابلاين” الذي كان ينقل نفط الخليج إلى الساحل السوري (بانياس)، وشكل ذلك مصدر رعب في حينه. لقد عبر الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر في مذكراته عن هذا الخوف الذي كان يسكن الزعماء العرب من مجرد الاقتراب من نار القضية الفلسطينية الحارقة. 

قال كارتر: “وأدخلت في اعتباري بعد اكتشافي للقادة العرب أنهم جميعهم تقريبا يتكلمون بلهجتين اثنتين: فهم عند اللقاء بهم منفردين يبدون القبول بالسلام، ولا يتوقفون عن الترحيب بالجهود المبذولة من أجله وإبداء التشجيع لها، أما في المحافل العامة فلا يجرؤ أي منهم – باستثناء السادات – ولا تواتيه الشجاعة على التسليم بأنه مستعد لمواجهة المشروع في المفاوضات مع إسرائيل”. ويعلل كارتر ذلك بالقول: “وهذا السلوك يمليه دون شك الخوف من أن يعتبر الواحد منهم خائنا في نظر القادة الآخرين في العالم العربي، والخوف من نقمة الرأي العام الوطني عليه، والخوف أخيرا من ردود الفعل العنيفة التي يقوم بها الإرهابيون الفلسطينيون”.

ويحدثنا كارتر عن لقائه بالأمير فهد – في حينه – وبعض من حاشيته بالقول: “بيد أن العائلة المالكة التي كانت تخشى من أن يؤدي وقوفها موقف الصلح والموفق مع إسرائيل إلى إغضاب أفرادها وسخطهم، كانت في الوقت نفسه تخشى من غارات الإرهابيين الفلسطينيين ومن التيارات الإسلامية الأصولية”. ويضيف كارتر: “كان الزعماء السعوديون يؤيدون السادات تأييدا كاملا، لكنهم كانوا يكتفون بالابتسام عندما كنت أناشدهم الإفصاح عن ذلك في تصريحاتهم العلنية، وكانوا مستعدين للقبول بتعديل الحدود مع إسرائيل، إلا أن رأيهم كان يقول: لا يمكن أن تجد حلا للقضية الفلسطينية إلا بإيجاد دولة فلسطينية مستقلة”. ولا ينسى كارتر أن يخبرنا عن رأي أحد جلسائه من الزعماء العرب، ألا وهو حافظ الأسد الذي كان أفضى إليه: “بما يفيد أن الكلام عن السلام مع إسرائيل، كان لسنة أو سنتين خلتا نوعا من الانتحار في بلده، لكن تقدما كبيرا أحرز منذ ذلك الحين واستجدت هناك رغبة حقيقية في التعاون”. ذلك زمن كانت فيه القضية الفلسطينية تحتفظ بجلالها وسلطانها وهيبتها وطاقة الخوف التي كانت تستبد بكل الذين راودتهم أنفسهم بيعها أو التخلي عنها. أما اليوم وقد فعل المتعبون من أبنائها كل أفعال الزحزحة والزعزعة والعبث والانحراف إلى درجة غدت قضيتهم بفضل أفعالهم مطية المطايا، فقد أراقت ماء وجهها في أوسلو الكارثة، وقبل أوسلو وبعد أوسلو وغدا سقف هؤلاء المتعبين السياسي أقل من السقف العربي الرسمي التقليدي. فجاءت الفرصة اليوم في المنامة لأولئك الذين طالما أرهبتهم وخوّفتهم قضية فلسطين ليطلوا برؤوسهم وليتحرروا من ذلك الخوف وتلك الرهبة التي كان أخبرنا عنها كارتر. لذلك لا غرابة ولا مفاجأة بما يفعله الصغار من بعض حكام الخليج، ومن لف لفهم وهم يمارسون العبث والسفه والطيش الذي كان آخره “ورشة المنامة”.

وقف هذا العبث لا يكون باستعادة زمن التهديد والعنف حيال أي عربي، بل عبر إعادة الهيبة للقضية. وهذا لا يكون إلا بالقطع مع كل مسار المخاتلة والمداهنة والبراغماتية والفهلوة والختر والغدر والخداع، ولا بد أن يكون ذلك صريحا وواضحا ومنعتقا ومتحررا من كل القيود والتخلي عن كل مقولات مرحلة ما بعد الـ(1974) الفلسطينية، ونقصد مسار التسوية والعودة إلى الهدف الأول: تحرير فلسطين كلها. عند ذلك، وعنده فقط سيعود الخوف والرهبة والجلال ليملأ قلوب أولئك، ويعود للكلام معناه، فتصبح كلمة “خيانة” معرّفة، وكلمة “وطني” أيضا معرفة، وكلم “حق وعدل” معرفة. والأهم ستصبح كلمة “فلسطين” قد استعادت كامل معناها وتعريفها!!

بقلم\ خلدون محمد

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات