مقالات مختارة

فخورون بيناير فمتى تفخر يناير بنا؟

وائل قنديل

مرة أخرى، وعلى بعد ثلاثة أيام من الذكرى التاسعة لثورة يناير، تتطاير دعوات الحشد واللاحشد، من دون تجديدٍ يُذكر، باستثناء هذا الصعود المدهش في منسوب الثقة بأن تغييرًا سيقع.

في الأثناء، تتفجر ينابيع النوستالجيا الثورية، وتندلع ألسنة الحنين والفخر بالمشاركة في ثورة يناير، في سباق الكل فيه يدعي وصلًا بليلى، وقرابة وانتماءً لليلى أكثر من أقرانه.
حتى الذين اقتادوا “ليلى”عنوة وتحايلًا إلى مخدع القوي الباطش، المتغلّب، يعلنون أنهم أهلها وقومها الأقربون، وآه لو تكلمت ليلى، وأجابت عن السؤال: هل هي فخورة بهم كما أنهم يتخاطفون كعكة الحنين والفخر بها؟

أزعم أنها لو نطقت وتحدثت عن الأوفياء من أهلها، فلن تأتي على ذكر أحد، إلا هؤلاء المنسيون الغائبون المغيبون عمدًا عن “الأفيش” الثوري المصاحب كل ذكرى، وفي مقدمة هؤلاء طابور من الشهداء، رحلوا مدافعين عن الثورة حتى الموت، متمسّكين بقيمها حتى الرمق الأخير، أو قابضين على جمرة أحلامها، حتى السجن الأخير.

لو سئلت ليلى/ الثورة عن أوفيائها الذين ما فرّطوا فيها، ولا وسوسوا لها أو حرّضوها على الانحراف، لذكرت أول ما ذكرت، في قائمة الشهداء سالي زهران ومينا دانيال وكريم بنونة وطارق عبد اللطيف وزياد بكير وأسماء البلتاجي وسندس رضا وشيماء الصباغ، وإبراهيم يسري، وأخيرًا من قضى نحبه وآخر كلماته “دمي فداء الثورة” شهيدها البار الرئيس محمد مرسي.

ليلى/ ثورة يناير تعرف أن أهلها من الراحلين الذين تفخر بهم هم أهل موقعة الجمل، كلهم، وأهل ماسبيرو، وأهل محمد محمود وأهل رابعة، ومن الأحياء سكان الزنازين المظلومين مرتين: مرة بسجنهم ظلمًا، والأخرى بإسقاطهم من الذاكرة المحملة بسموم التصنيف والشللية والإقصاء والدمج، تبعًا لهوى الفرز الأيديولوجي.

من يصدّق أنه بعد سبع سنوات كاملة على الجريمة التي أطاحت الثورة، وألقت بأوفى رجالها ونسائها في ظلام السجون، يأتي أحدهم ويصنع أفيشًا لسجناء الرأي، ويقصي منه محمد البلتاجي وعصام سلطان ورفاعة الطهطاوي وحازم أبو إسماعيل وحسام أبو البخاري، وعشرات بل مئات وآلاف ممن رفضوا الانحناء أمام عاصفة البطش، وصمدوا ولم يفرّطوا منذ اليوم الأول للانقلاب على ثورةٍ كان في طليعة المدافعين عنها؟
أي منطق، وأي ضمير هذا الذي ينسى أو يتناسى، ويتجاهل أن هؤلاء سجناء رأي وضمير ثوري وموقف أخلاقي وإنساني منحاز للثورة؟

لكن لا بأس، فليلى/ الثورة تعرف أهلها وأنف ليلى يميز بين عبير الصدق ورائحة شياط الادعاء، وضميرها يدرك من يمثلها ومن يمثل عليها.
من حسن الحظ أنها لا تزال حية، ونبضها سليم ودبيب خطواتها في الشوارع والميادين لا يزال قادرًا على إثارة الفزع في قلوب من تصوّروا أنهم قتلوها، أو دفنوها حيًة.
هي لا تزال، كما وصفتها في عامها الأول مثل طائر العنقاء، كلما ضربوه بمنجل أو بلطة معلنين ساعة موته يتناثر إلى أكثر من عنقاء تبعث إلى الحياة.

صحيحٌ أن كل ما يطفو على السطح في ذكراها يتحدّث بغير أبجديتها السليمة، ولا يعبر عن روحها الحقيقية، لكن ذلك لا ينفي أنها موجودة وباقية على قيد الحياة، كامنة في ذلك الركن القصي، أو تتأهب للعودة من ذاك الطريق.
نعم، وكما قلت سابقًا، الجو هذه الأيام معبأ بهواء يختلف عن هواء يناير الحقيقي، إلا أن ذلك لا يعني على الإطلاق أن يناير مجرد ذكرى سنوية.
.. وللحديث بقية. 
نقلا عن .. العربي الجديد 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى