مقالات مختارة

فيروس كورونا وعائلة “سمّورة”

سما حسن

تجذبني تلك الزيجات المميزة والاستثنائية، ورغما عني، أجدني متتبعة أخبارها. لم أكن أعرف الكثير عنها، ولكن مصابها الأخير دفعني إلى أن أكتشف نقاطا كثيرة تقاطعت والتقت، لكي تنتج، في النهاية، أسرة عربية سعيدة، على الرغم من أنها لم ترزق بابن ذكر مثلا، وعلى الرغم من فارق العمر بين الزوجين مثالا آخر، وعلى الرغم من ذلك، فهذه العائلة كانت جاذبة في أي لقاء، والصور التي تُلتقط لها تدخل القلب بصفاء ضحكات أصحابها الذين لم يكونوا يعرفون ما الذي يُخفيه القدر لهم. وقد زادت الضحكات صفاء ورقة وحميمية تجعلك راغبا في أن تندسّ في خلفية كل صورة، حين صار للبنتين الجميلتين زوجان، وتحول الصهران ابنين بارّين بالأب الذي كان يقترب من الثمانين من عمره.

لافتة تلك البدايات الجميلة التي تستقطب الجماهير التي يغبطها بعضهم، ويحسدها الكثر، ولكن النهاية موجعة كما قلت، فوفاة الأب والأم في فترة قصيرة تقترب من الثلاثة أشهر تعتبر فاجعةً بكل المقاييس، فمهما بلغت الابنة الواحدة من عزّ وثراء واكتفاء، إلا أن فقدان الأب السند مصيبة، وفقدان الأم فاجعة، وكأن الموت قد قرّر أن يكتب بلغته، وطريقته، نهاية أو مرحلة جديدة من حياة هذه العائلة.

كانت الممثلة الراحلة دلال عبد العزيز تأسرني بوجهها المحبب الذي تعتقد أنه مألوف وتعرفه كثيرا، على الرغم من أنك لم تلتقِ به، فضحكتها آسرة حين تغيب عينيها. وإشراقة وجهها تذكّرك بوجهٍ صبيحٍ ألفته منذ زمن في حياتك الخاصة، وعلى الرغم من أنها قد ظهرت في بدايتها الفنية وجها جميلا، ولا تكاد تذكر لها دورا محدّدا يستحقّ أن تقف عنده، إلا أن الأيام قد صقلتها، وكلما تقدّمت في العمر أصبحت قادرةً على الاختيار الصحيح الذي لا يعتمد على ثيمة البنت الجميلة بيضاء البشرة، وهذا اللون الجاذب بين السّمار الذي شاع عن البطلات المصريات المحبّبات من بنات جيلها.

كانت دلال عبد العزيز في أدوارها الأخيرة مع تقدّمها في العمر، واكتسابها وزنا زائدا، مبهرة مثل أدوارها التي قامت فيها بدور الأم بكل حالاتها، لأنها أثبتت بالفعل أنها تمتلك موهبة لا تعتمد على الجمال الذي قدّمها في بداياتها. أبهرتني في قصة زواجها من الكوميديان الشهير الذي كان يكبرها بأكثر من عشرين عاما، فحين شعرت أنها تحبّه لم تتردّد في ملاحقته وإيقاعه في فخّ الزواج، وهو الفخّ الذي كان يتهرّب منه طوال سنوات عمره، واكتشفت بعد ذلك أنه كان يحبّها، ولكنه كان متخوفا بسبب فارق العمر بينهما، وخوفه من أن ينجب في سن متأخرة، ولكن الزوجة الشابة الجميلة بدّدت مخاوفه وكوّنا معا عائلة علمتنا درسا عظيما، أن البدايات المتأخرة كثيرا ما تكون أكثر روعة من البدايات المحسوبة.

تبهرك حكاية “عائلة سمّورة” في الفصل الأخير من حياتها بفقدان الوالدين في فترة وجيزة وبالسبب نفسه؛ فيروس كورونا الذي أصيب به معظم أفراد العائلة، ولكنه حصد روحين هما الأساس والقاعدة، فعمر الأب المتقدّم لم يمكّنه من المقاومة. أما الأم فقد أصيبت بحالةٍ نادرة من حالات التعافي من هذا الفيروس الذي لا يزال العالم يصارعه، وتعرف هذه الحالة باسم “متلازمة كوفيد طويلة الأمد” التي تتسبب بفشل تنفسي وتليفات فى الرئة.

العائلة التي فقدت الأم والأب بسبب فيروس كورونا مثالية، ولكنها اليوم مثل أي عائلة تنقلب حياتها رأسا على عقب، مثل أي عائلة فلسطينية مثلا يُهدم بيتها فوق رؤوس أفرادها، فيفقدون الأب أو الأم مثلا أو كليهما، ويصبح على الأبناء أن يواجهوا الحياة من دون من كان يكرمهم الناس من أجله، ومن كان يكرمهم الله من أجلها. ومع اختلاف بسيط؛ أن لدى ابنتيْ “سمورة ودلال” الرصيد الفني والمادي الكبير، إلا أن الفقد مؤلم، وسوف تترجمه المناسبات والمواقف التي تستوجب وجودهما، وسوف تشعران بوجع الفقد أكثر لغيابهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى