مدونات

فيلم “عن الآباء والأبناء”.. لماذا يزيف الحقيقة في إدلب؟

منذ أيام فقط تجولت في شوارع إدلب وأريافها حتى أصاب التعب محاولاتي فهم تأثير الحرب على الناس. ربما كان إدراك جنون الحرب بالعقل أمراً مستحيلاً. فلا يضبط النقيض نقيضه. ففي كل زاوية صادفت تناقضاً جديداً وفي كل نفس وجدت اغتراباً جريئاً. لم يكن هناك قاعدة ثابتة ولا سمت واحد. فبتعدد المخاطر والتهديدات تتعدد الآثار في نمطية المجتمع وسلوك الأفراد. ولعل هذا التصور ما حفز انتباهي لحديث أصدقائي عن فيلم وثائقي تم تصويره في منطقة ما من إدلب. محاولاً وصمها جميعها بمن فيها بطبيعة واحدة رسمها مخرج الفليم من خلال حقيقة منقوصة تجذب بعض قشورها البيّنة المشاهد فيغفل عن زيف جوهرها وتوهم بعض قطعها المجتزئة المتابع البعيد فيعتقد بوضوحها. إلا أن الحقائق تعرف بكمالها وتثبت بيقينها وقطعيتها ووضوحها. ولا أريد بحال الاستغراق بنقد الفيلم من ناحية الشكل الفني حيث أن مضمونه لا يترك مجالاً للاهتمام بسواه.

ففي مقدمة فيلم “عن الآباء والأبناء” وهو موضوع حديثنا في هذه التدوينة. أراد أن يشعرنا المخرج أننا ندخل معه مغامرة خطرة من خلال حديثه عن التخفي بصفة مصور حربي مجاهد. ومن ثم استمر في نقل إحساس المغامرة للمشاهد من خلال طريقة التصوير البسيطة والتي تضفي طابع التخفي أحياناً وطابع الخوف أحياناً أخرى متناسياً أن في إدلب اليوم عشرات وكالات الأنباء التي تصور مواد إعلامية لقنوات محلية أو عربية أو أجنبية وأن في إدلب اليوم ملايين الناس غير المنضمين لأي تيار أو فصيل أو جماعة يمارسون حياتهم بهوامش من الحرية بلغت تقديم عروض سينمائية ومسرحية ومعارض فنية وتشكيلية.

ثم إن المخرج لم يكن عادلاً في الفصل بين طبيعة السكان المحليين وأنماط السلوك المجتمعي المتأصل أساساً من جهة وبين التأثر بالاستقطاب الإديولوجي والتغييرات التي تفرضها رحى الحرب وهي تدهس المجتمع من جهة أخرى. فظاهرة ضرب الأطفال على سبيل المثال من قبل المعلمين والأهالي وعراك الأطفال العنيف تعتبر من الممارسات السيئة الضاربة في القدم والتي عانت منها أجيال متعاقبة قبل الحرب السورية رغم أن الحرب لا شك ساهمت في ازدياد وقوعها بسبب الضغوط والتوترات النفسية وقلة موارد المعيشة وآليات التأقلم السلبية مع المخاوف اليومية التي يعيشها الناس وغيرها.

وعلى الرغم من أن الإديولوجيا تسهم في صنع اتجاهات مختلفة للأفراد إلا أنه وبلا شك هناك عوامل أخرى تجاهلها المخرج في فيلمه وخاصة ما كان مرتبطاً بالحالة الإنسانية المأساوية وشعور الحصار وضيق خيارات المستقبل للأفراد وفقدان الأمل بتحقق العدالة عبر الآليات الرسمية المنحازة كمجلس الأمن أو التزامات المجتمع العالمي. ولعل المخرج تعمد تثبيت الصورة التي اختارها لفلمه من خلال طول مشاهد الفليم من غير جدة مستمرة في الاكتشافات من قبل المشاهد بل على العكس فقد تحول الفيلم لمستبد بالمشاهد يجر خيالاته نحو تعميمات شمولية للمنطقة رغم أن عدد ضحايا الفيلم مجرد أفراد يعيشون بين ملايين المظلومين في ذلك المكان. ولم يعط الفيلم المشاهد فرصة المشاركة في الفهم بعيداً عن التوجيه. فقد كنتُ متحمساً لأعرف بعض عناوين الكتب التي جمعها الأطفال لأبيهم والتي تعود لحقبة ما قبل الثورة أو بدايتها والتي من خلالها ربما نستطيع تكوين فهم أعمق لسبب توجهات الأب.

وبعيداً عن عرض الحياة من زاوية واحدة تناسب رغبة الكتاب. فقد كانت مقاطع معكسر تجنيد الأطفال تدعو للريبة من حيث احتمالية دخول الصناعة فيها أو افتعالها. فمن غير المقنع كثيراً أن يتم توزيع لباس موحد على الأطفال في المعكسر وهذا شكل غير مألوف في مثل هذا النوع من المعسكرات. بالإضافة إلى القبعات التي تظهر فيها شعارات يستخدمها تنظيم الدولة كثيراً في مكان يعتبر فيه الانتماء للتنظيم يستوجب الملاحقة والقصاص. كما أن المشاهد التي يظهر فيها التلويح بالعلم أثناء التدريبات صورت برؤية فنية بصرية أضافها المخرج دعماً لفكرته وجذباً للمُشاهد. بالإضافة إلى أن عمر الأطفال إشكالياً لإخضاهم لمثل هذه المعسكرات دون فائدة مباشرة منهم للفصائل المقاتلة التي تعيش حالة استنزاف وتبحث في حالها المؤقت فقط. حيث أن عمر الضحية أسامة تقريبا هو 10 سنوات حسب ما قرأت في وجوههم وحسب القصة التي كان الطفلان يقرآنها من كتاب يبدو أنه مدرسي حدد عمر البطل القصة بـ 9 سنوات.

وبأي حال فللمواد الإعلامية هذه قوانين أخلاقية فوق أي اعتبار لم تكن محط التزام من المخرج فقد استغل مشاهد العبث بمتفجر يدوي الصنع وتعنيف الأطفال لبعضهم البعض من أجل التقاط بعض المشاهد رغم قدرته على وقفها ومنع أذيتهم في تلك الساعة أقل تقدير. فضلاً عن ذلك فإن عرض الأسرى بشكل مهين يعتبر ممارسة إعلامية لا أخلاقية بموجب اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب المؤرخة في 1949.

أخيرا فقد اقتصر الفيلم على وصف منحاز دون الإشارة لأسباب وصول بعض السكان إلى تلك الحالة ودون دفع المتابع إلى تقدير سبل العمل الجاد لإنقاذ المجتمع بشكل إيجابي وخاصة أن المخاطب به لا يقتصر على المشاهد العربي بل يتسع ليصل إلى أطراف الدنيا الأربعة ويبلغ شعوباً لها القدرة على التأثير بقرارات حكوماتها لإنهاء الحرب السورية وإعادة الأمل للسكان ومنح المظلومين العدالة وفتح أفق المستقبل وخياراته الإيجابية. ولا مجال لفهم الحل من خلال ما أراده المخرج بتصوير المنطقة على أنها بؤرة معزولة غريبة عن هذا الزمان يتصل خطرها بالعالم بأسره. يشترك الصغار والكبار في اتخاذ الخيارات والاتجهات بعيداً عن الدوافع الخارجية والتسيير الإلزامي.

نقلا عن مدونات الجزيرة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات