مقالات مختارة

في تشوّهات كرة القدم المصرية

سامح راشد

صدمة كبيرة أصابت جمهور النادي الأهلي المصري، وهم الأغلبية في جماهير الكرة بمصر، إثر خسارة المباراة النهائية لبطولة دوري الأندية أبطال أفريقيا. نكأت الهزيمة جروحاً تراكمت على الرياضة المصرية في العامين الأخيرين، خصوصا أنها وقعت على أكبر أندية مصر وأفريقيا والشرق الأوسط، وأكثرها شعبيةً وفوزاً بالبطولات المحلية والقارّية، ومعروف دائماً بتفوقه على بقية الأندية المصرية والعربية. لذا يحقّ للمصريين تفسير خسارته أخيرا بأنها أبعد من مجرّد هزيمة رياضية واردة الحدوث، وسبق أن تعرّض لها النادي نفسه قبلاً من دون ضجة أو أصداء.
لكنّ هزيمة الأهلي هذه المرّة جاءت بعد سلسلة هزائم مريرة وانتكاسات للفرق والمنتخبات الرياضية المصرية في مختلف اللعبات. كان أقساها خسارة المباراة النهائية لبطولة أمم أفريقيا في كرة القدم أمام منتخب السنغال، ثم الخروج من التصفيات المؤهلة إلى نهائيات كأس العالم بخسارة المباراة الأخيرة أمام المنتخب نفسه. وكانت الهزيمتان أمام المنتخب نفسه بمثابة ضربة قاسية للرياضة المصرية، ولمساعي نظامٍ يتلمّس أيّ إنجاز له صدى جماهيري.

ظن بعض المصريين أن الأشهر القليلة التي فصلت بين المباراتين كافية لإصلاح الأخطاء وتجنب أسباب خسارة بطولة أفريقيا. خصوصاً مع التصعيد الرسمي والإعلامي لسقف التوقعات، وجذب الآلة الإعلامية المصرية انتباه المصريين بعيداً عن الأسباب الذاتية للهزيمة الأولى. حيث استدرجت الرأي العام إلى التفسيرات التآمرية، وانحياز الحكام والظروف غير المواتية… إلى آخر الأعذار والمبرّرات المكرّرة التي يسوقها المسؤولون عن الرياضة في مصر منذ 50 عاماً، مع كلّ هزيمة كبيرة أو فقدان بطولة.

من هنا، كان المؤلم في هزيمة الأهلي، أخيراً، أنّها أصابت أفضل الكيانات الرياضية المصرية، تنظيماً وحرفية وكفاءة، وبالتالي نجاحاً وشعبية، فلطالما كان الأهلي هو الاستثناء من حالة الانكسار الملازمة للرياضة المصرية. وما زاد من إثارة خسارة “الأهلي”، وتفاعل جمهوره معها، أنها جاءت مصحوبةً بملابسات وأحداث ترتبط مباشرة بنمط الإدارة المختلّة للرياضة المصرية، فقد كان العامل الأكبر في انكسار “الأهلي” اضطراره إلى لعب المباراة النهائية على ملعب الفريق الخصم، في مباراة يُفترض أن تجري في أرض محايدة. وزاد من وطأة هذا العامل الشحن المعنوي المبالغ فيه لجماهير النادي الخصم (الوداد المغربي)، والتي انعكست في أجواء معادية أحاطت بفريق الأهلي في المغرب قبل المباراة وفي أثنائها، فصحبت المباراة ملابسات وتطورات أضفت عليها صبغة إثارة وتشويق تتجاوز حدود الرياضة، وتتراجع معها حكمة الموضوعية أمام حماقة الشعبوية.
والسبب المباشر في هذا الموقف غير المتوازن عدم تحرّك اتحاد الكرة المصري بشأن استضافة المباراة النهائية، رغم تلقيه خطاباً رسمياً عن ذلك قبل موعد المباراة النهائية بأربعة أشهر، ولم يخطر النادي المعني (الأهلي) عن هذا الخطاب.

بالتأكيد، لم تكن أجواء المباراة أو مكان إقامتها سبباً وحيداً في الهزيمة، إذ كان الأداء الفني لفريق الأهلي ضعيفاً للغاية وافتقد، بشكل شبه كامل، الجهوزية الفنية واللياقة الذهنية، غير أنّ هذه العوامل الموضوعية توارت أو اختلطت مع ذلك الخلل الهيكلي الكامن في منظومة إدارة الرياضة المصرية، والذي طاول “الأهلي” نصيب منه هذه المرّة.

وهنا يكمن الخطر الأكبر، فحين تنعكس سلبيات إدارة الرياضة المصرية واختلالاتها على أفضل فريق في مصر والقارّة بهذه الفجاجة، فإن الرياضة المصرية كلها، وكرة القدم خصوصاً، معرّضة لتردٍّ وانحدار مهين، فبعد أن فشل وجود محمد صلاح وعشرة محترفين آخرين في حفظ ماء وجه المنتخب المصري، باتت خطورة الفشل الإداري أكثر اقتراباً من دواخل الرياضة، وتكاد تقتحم الكيانات القوية التي كانت أشبه بالقلاع المحصّنة من أمراض الرياضة، بل الدولة المصرية ككلّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى